
الإنسان يجاهد ويكابد , ليعيش بشرف ويحيا بكرامة , كان دوامنا لأعوام طويلة مضت في رمضان مكلل بجهد ومؤطر بصبر , يقال : العمل عبادة , أقول : نعم ! ويؤجر صاحبهُ ليكف نفسهُ وعياله , ولكن العمل ضد العمل غير مقبول , فداومُ رمضان مرهق وخصوصاً عندما يكون العمل مجهد كالتعامل مع الطلبة .
هناك بعض المنغصات تعتريك في أيامك ومن أشد المنغصات على المرء من يوقظك وقد أخذتك لذة النوم بعد طولِ سهر , فهذا ترتيب للدروس وذاك تحضيرٌ لها وهذا إعدادٌ وانتظارٌ للسحور وآخر تجهيزٌ للفطور حتى تصبح وقد اعتراك ما اعتراك من الكسل و لضيقِ الوقت ملأ جوفك الوجل , وما إن تضع رأسك لبضع سويعات على وسادتك إلاَّ وجرسٌ الإنذار – أقصد التنبيه ! – يرنُّ عندك وكأنهُ صراخٌ ينزعك من لذتك التي أنت فيها ليخبرك ببدء ساعات الدوام رغماً عنك ستواجه الواقع المزعج وأنت لم تفق بعد من سبات ذاك النوم اللذيذ , بل قد توقع حضورك ولم تفق من تلك السكرة التي أنت فيها والأدهى والأمر أن تجد طلابك أسوأ منكَ حالاً وأشدُّ مآلاً .
فمجاهدةُ النفس مطلب , والتصدي للصعاب مذهب , وقد تأتي ظروف تخرجك عن طورِ السلوك المطلوب , وتجعلك تخالف كل مذاهب التنظيم الذي ستلتزم بهِ , فأمامك طالبات مشاغبات , وأخريات عنيدات وغيرهن لا يبالين بمسار الدرس إلى أين هو ذاهب ؟ فتجاهد لتوجِّه وتكابد لتقوِّم , وخارجُ الفصل حدِّث ولا حرج , اصطدامٌ وعِراك , تحملت مرة واثنتين والثالثة طفح فيها الكيل فتهزيءٌ وصراخ , وجرحٌ للصيام , والوزر على عاتقِ مَنْ ؟
بل ولا تنسى خبر المعلمات فهن في اللغوِ غارقات , وللطبخاتِ كاتبات قطعاً للحظات الجوع وحرقاً للهيبِ العطش وعن الأسواقِ متحدثات لبترِ وقت كخطوات السلحفاة سيرهْ , ناهيك عن الغيبة والشتيمة إن كان هناك طالبة مسيئة , وما أكثرهن ! أو في بعضهن إن كان هناك تنافسٌ غير محمود بينهن .
فالفارق هذا العام كبير والفضل لله جزيل والشكرُ له بلا انقطاع , لامستهُ من أول أيام هذا الشهرِ الفضيل وشعرتُ بشعورٍ جميل , وعجزٍ عن التفصيل , فلم أجد الوقت لإظهار هذا الشعور سوى الآن , حمدتُ الله أن منَّ علينا بصيامِ هذا الشهر بلا صوت وتفرغ للعبادة بصمت وإخلاصٌ في العمل بلا جرح فنعمةٌ كهذه لا تنسى ومنحة كمثلها لا تغفل , منحنا وحرم غيرنا , فلنكن فطناء في التعامل معها " المؤمن كيسٌ فطن " وذلك باستغلال هذه اللحظات المباركة في الخير وأعمال البر , والمكوث على قراءة كلام الله , آناء الليل وأطراف النهار , والاحتساب في كل عمل وفي كل سكن , وحتى مكوثنا هنا في الساحاتِ عبادة إن لازمت الاحتساب واجتنبت الفحش من القول ولازمت الطيب من الكلام ,وأسأل الله أن يجعلنا من المقبولين ,,

