المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
تعلم فن كتابة القصة القصيرة ,,,,,,
الساحات السعودية > منتدى الأدب والإبداع > ساحة القصة
أم مالك الأزدية
بســم الله الـرحمــن الرحيــم
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

موضوع مهم وهادف ومفيد
أحببت جلبه لكم لنستفيد مما فيه
للكاتب / حسن خليل





بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:


موضوعنا هو فن القصة القصيرة

القصة القصيرة ليست مجرد قصة تقع في صفحات قلائل بل هي لون من ألوان الأدب الحديث ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وله خصائص ومميزات شكلية معينة.

الحلقة الأولى:

الخبر والقصة


من المعروف أن القصة تروي خبراً ولكن لا يمكن أن نعتبر كل خبر أو مجموعة من الأخبار قصة .. فلأجل أن يصبح الخبر قصة يجب أن تتوفر فيه خصائص معينة أولها أن يكون له أثر كلي. ولكي نفهم ما نعني بالأثر الكلي دعنا نقرأ المقتطف التالي من خطاب "لليدي ماري مونتاجيو":

"أظن أن هذه هي المرة الأولى التي تأخرت فيها في الكتابة إليك، وقد تعجب إذا عرفت أن تأخيري جاء نتيجة لانشغالي إنشغالاً كلياً. فأنا أقضي ساعات طويلة في ركوب الخيل وصيد الغزال وقد حققت في هذا المضمار مهارة عظيمة جعلتني شديدة الرضا عن نفسي ..

وصاحب السمو الملكي يصيد في "ريتشموند بارك" وأنا من ضمن رفاقه في الصيد، ولعلك بعد ذلك لا تقول إني امرأة عجوز. وقد عاد اللورد بولينجبروك إلى انجلترا، وأغرب الأنباء هنا هي مغازلة اللورد بانهرست للأميرات مما أثار التخمينات في المجتمعات ولكني أنا التي لا يغيب عني شيء أعتقد أن هناك علاقة أكيدة بي اللورد بانهرست ومسز هوارد".

في هذا الخطاب تقص الليدي ماري مونتاجيو عدة أنباء فهي تخبرنا أنها جد مشغولة وأنها تقضي ساعات طويلة في ركوب الخيل وصيد الغزلان وأنها راضية لذلك عن نفسها، ونحن نعلم أيضاً أن ولي العهد يصيد في "ريتشموند بارك" وأن اللورد "بولينجبروك" قد عاد إلى انجلترا وأن "الليدي ماري مونتاجيو" تعتقد أن هناك علاقة بين لورد بانهرست ومسز هوارد. والواقع أن الخطاب مليء بالأخبار، ولكنها رويت بحيث جاء كل خبر منها منفصلاً عن الآخر لا يرتبط به بعلاقة. ومما لا شك فيه أن كل خبر في هذا الخطاب يزودنا بقسط من المعلومات - أي أن لكل خبر معنى .. ولكن هذه الأخبار مجتمعة كما جاءت في الخطاب ليس لها معنى واحداً ولذلك فلا يمكن أن يكون لها أثراً كلياً.

دعنا الآن نقرأ هذا المقتطف من كتاب عن حياة الشاعر "دانتي":

"من المحقق أن سيدة تسمى مادونا بياتريس عاشت فعلاً في فلورنس في عصر دانتي، وكانت تنتمي إلى عائلة فلورنسية تدعى عائلة بوتيناري - وقد عرف عن هذه السيدة الجمال وحسن الخلق ... وأعجب بها دانتي وأحبها ونظم الأغاني في مدحها. وبعد موتها أراد أن يعلي اسمها ومن ثم ظهرت عدة مرات في قصيدته الكبيرة الكوميديا الالهية".

هذا المقتطف أيضاً مليء بالأخبار ... فالكاتب يخبرنا أن سيدة تسمى بياتريس عاشت في فلورنس في عصر دانتي، وأنها كانت جميلة، تنتمي إلى أسرة فلورنسية، وأن دانتي أحبها ولذلك نظم فيها الأغاني في حياتها، وأعلى اسمها بعد مماتها في شعره ... ولو أنك أخذت كل خبر في هذه الأخبار على حدة لما وجدت له معنى. فمثلاً لو أنك قلت إن سيدة تدعى "بياتريس" عاشت في "فلورنس" لما كان لذلك معنى مستقلاً ولو أنك قلت إن سيدة تدعى "بياتريس" كانت جميلة لما كان لذلك معنى في ذاته أيضاً وبالمثل لو قلت إن سيدة تدعى بياتريس كانت تنتمي إلى عائلة فلورنسية ولكنك لو قلت:

إن سيدة تدعى "بياتريس" عاشت في "فلورنس" وأنها كانت تنتمي إلى عائلة "فلورنسية" كانت جميلة وأن "دانتي" أحبها ونظم الشعر فيها إلى آخر ما في المقتطف لوجدت أن هذه الأخبار في مجموعها تعني شيئاً، إذ أن الكاتب قد رواها بحيث يرتبط كل خبر منها بغيره من الأخبار فيكون لمجموعها معنى وبذلك يمكن أن نقول إن لها أثراً كلياً.

وهذا هو أول مستلزمات القصة: أي أن الخبر الذي ترويه يجب أن تتصل تفاصيله أو أجزاؤه بعضها مع البعض بحيث يكون لمجموعها أثراً أو معنى كلياً.

ولكن الأثر أو المعنى الكلي لا يكفي وحده لكي يجعل من الخبر قصة .. فلكي يروي الخبر قصة يجب أن يتوفر فيه شرط آخر ... وهو أن يكون للخبر بداية ووسط ونهاية، أي أن يصوّر ما نسميه "بالحدث".

ولأجل أن نفهم ما نعني بالحدث دعنا نقرأ المقتطف التالي من كتاب عن حياة الرعاة في انجلترا.

"عندما خيم الظلام خرج "بيتر" مع كلبه فوجد الغزلان ما زالت ترعى على الربوة. وتسلل بخفة خلف الأجمة حتى واجهته الربوة وخلف قمتها السماء مليئة بالنجوم واتضحت أما عينيه وهو يتقدم أجسام الغزلان برؤوسها المنحنية، وتراجع قليلاً ثم اختفى في خندق وراء حائط وبدأ يتقدم من جديد. وكانت خطته تنحصر في إثارة خوف الغزلان حتى إذا ما تفرقت في طريقها إلى الغابة مرت به واصطاد إحداها ...

ولم تسمع الغزلان وقع أقدامه حتى أصبح على مبعدة ستين ياردة منها فقفزت عبر الخندق متفرقة في اتجاهات مختلفة ولم يمر في اتجاه الغابة إلا غزال واحد، وراء هذا الغزال أرسل "بيتر" كلبه ..

ومرق الكلب كما يمرق السهم من القوس و "بيتر"، يجري وراءه كما لم يجر من قبل حياته .. ولفترة قصيرة ظهر الغزال على الثلج والكلب يطارده مطاردة حامية، ثم ابتلعهما الظلام، ولكن في أقل من نصف دقيقة وصل إلى مسمع "بيتر" صرخة طويلة باكية لغزال في محنة .. وكان الكلب قد أمسك صيده من إحدى ساقيه الأماميتين فوق الحافر بقليل وشدد قبضته عليها، وكانا يكافحان على الثلج عندما وصل "بيتر" وألقى" بنفسه على ضحيته وغرز سكينة في القصبة الهوائية للغزال، وبعد أن قتله ألقاه على ظهره وعاد إلى البيت لا عبر البوابة ولا الطريق العام وإنما عبر الحقول والأدغال حتى وصل إلى الجهة الخلفية لكوخ أمه. ولم يكن بتلك الجهة باب ولكن كان لها نافذة، وعندما فزعها وفتحتها أمه دفع بالغزال داخل البيت دون أن ينطق بكلمة ثم استدار إلى واجهة البيت ودخل من الباب.

إن الخبر الذي يحتويه هذا المقتطف يختلف عن الخبر السابق، الذي أفدنا منه الشاعر دانتي أحب فتاة فلورنسية تدعى بياتريس وأنها كانت جميلة وأنه نظم الشعر فيها، فهذا مجرد خبر يزودنا بالمعلومات كالأخبار التي نسمعها أو نقرؤها في الصحف. أما خبر اصطياد "بيتر" للغزال فلا يقتصر على تزويدنا بالمعلومات إذ أنه يهدف إلى غرض آخر وهو أن يصوّر حدثا ..

ولو أننا دققنا النظر في هذا الحدث لوجدناه يتكون - كل حدث آخر - من مراحل ثلاث: المرحلة الأولى وهي البداية. والمرحلة الثانية وهي الوسط والمرحلة الثالثة وهي النهاية ..

ففي المرحلة الأولى وهي البداية، أو كما يسميها بعض النقاد الموقف، عرفنا أن الوقت كان ليلاً وأن الغزلان كانت ترعى على الربوة وأن "بيتر" خرج مع كلبه للصيد، أي أنه في هذه المرحلة اجتمعت كل القوى أو العوامل التي ترتب على وجودها معاً موقف معين نشأ منه الحدث.

وتلي ذلك المرحلة الثانية التي نسميها الوسط، وهي تنمو حتماً وبالضرورة من الموقف أو البداية وتتطور إلى سلسلة من النقاط تمثل تعقيداً أو تشابكاً متزايداً بين العوامل أو القوى التي يحتويها الموقف. "فبيتر" يتسلل خلف الأجمة، ثم يتراجع، ثم يتربص في الخندق ثم يتقدم من جديد خلف الحائط، وتسمعه الغزلان فتقفز في اتجاهات مختلفة ويتجه واحد منها إلى الغابة ويلاحقه الكلب وينقض عليه ويمسك بساقه الأمامية إلى أن يأتي "بيتر" فيلقي بنفسه على ضحيته ويغرز سكينة في رقبتها وهكذا يقتل الغزال. ولكن الحدث لا ينتهي هنا ... فبعد أن يقتل "بيتر" الغزال يخبرنا الكاتب أنه يحمله على ظهره ويسير به عبر الحقول والأدغال حتى يصل إلى الجانب الخلفي لكوخ أمه فيقرع نافذة وتفتحها أمه فيدفع بالغزال إلى داخل البيت ثم يستدير إلى واجهة البيت ويدخل من الباب، وهذه هي المرحلة الثالثة أو النهاية وفيها تتجمع كل القوى التي احتواها الموقف أو البداية في نقطة واحدة يتحقق بها الاكتمال للحدث ..

فلو أن الكاتب قد توقف عند النقطة التي قتل فيها "بيتر" الغزال في الغابة لما كان للحدث معنى بل لما كان له وجود فلم يخرج "بيتر" لمجرد قتل الغزال وإنما خرج ليصيده ويعود به إلى البيت ولذلك فإن الحدث ينتهي أو يتكامل عندما يحقق "بيتر" ذلك، عندما يقرع النافذة وتفتحها أمه ويدفع بالغزال إلى داخل البيت ثم يستدير ليدخل هو من الباب، فهذه النقطة بالذات هي السبب في وجود الحدث في الأصل، ولذلك نرى أن كل العوامل التي تجمعت في البداية والتي نشأ عنها موقف معين نما منه الحدث وتطور في الوسط تنتهي بالضرورة إلى هذه النقطة ... وهي النقطة التي يكتسب بها الحدث معناه، ولهذا السبب اصطلح بعض النقاد على تسمية هذه النقطة - وهي التي تمثل نهاية الحدث - بنقطة التنوير ..

يتضح من تحليل المقتطفات الثلاث أن ليس كل خبر يروى قصة. فمن الأخبار ما يمكن أن توضع جنباً إلى جنب (كما في خطاب ليدي منتاجيو) ومع ذلك تظل مجموعة أخبار متفرقة لا تنتج أثراً كلياً - ومن الأخبار ما توضع جنباً إلى جنب (كما في المقتطف عن بياتريس ودانتي) فتنتج أثراً كلياً ومع ذلك تظل مجرد خبر يزودنا بالمعلومات ولكنه لا يروي قصة.

فلقد اتضح لنا أنه لكي يروى الخبر (كقصة اصطياد بيتر للغزال) لا يكفي أن يكون الخبر ذا أثر كلي بل يجب أن يصوّر حدثاً له بداية ووسط ونهاية - أي أنه ينشأ بالضرورة عن موقف معين ويتطور وينمو بالضرورة إلى نقطة معينة.

والفرق بين الخبر الذي يقتصر على تزويدنا بالمعلومات والخبر الذي يصوّر حدثاً هو الفرق بين مجرد الخبر وبين القصة. ولقد يظن البعض أن الفرق بين الخبر والقصة أن الخبر مستمد من الحقيقة وأن القصة من نسيج الخيال، ولكن هذا غير صحيح. فقصة اصطياد (بيتر) للغزال قصة حقيقية حدثت بالفعل ولا أثر للخيال فيها ومع ذلك فقد تحققت لها مقومات القصة لأنها تصوّر حدثاً في حين أن الكثير من القصص أو الحكايات التي تنسجها أخيلة الكتّاب ليست في الواقع قصصاً على الإطلاق، وإنما هي مجرد أخبار تزودنا بالمعلومات ولكنها لا تصوّر حدثاً له بداية ووسط ونهاية.

ولقد يظن البعض أن كل حكاية تنشر أو تروى لا بد وأن لها بداية ووسط ونهاية وإنها بناءً على ذلك لا بد وأن تصوّر حدثاً، أي أنها قصة، ولكن هذا غير الواقع، فالكثير مما ينشر على أنه قصص ليس قصصاً على الإطلاق، بل مجرد أخبار، وهذه الأخبار التي يكتبها الكتّاب وينشرونها على الناس متنكرة في زي قصص كثيرة، بل إن الصحف والمجلات مليئة بها


للموضوع بقية
.
أم مالك الأزدية
تتمة الحلقة الأولى:

ولكي ندرك بوضوح الفرق بين الخبر والقصة دعنا نقرأ الحكاية التالية التي نشرت في إحدى الصحف الانجليزية على أنها قصة الأسبوع بعنوان ... (قتل أم انتحار)

(قتل أم انتحار)

حاولت أن أركز اهتمامي في الفيلم الذي يعرض أمامي ولكني يئست وأغلقت عيني وركزت فكري في المشكلة التي تواجهني.

وكانت مشكلتي مشكلة عادية .. كيف أهرب من نتائج حماقتي؟ أما حماقتي فكانت بدورها حماقة عادية. فقد دفعني إدمان الخمر والتعلق بالنساء والمقامرة إلى الاستدانة طيلة السنة الماضية حوالي ألفين من الجنيهات من أصحاب المكتب الذي أعمل به.

وللآن لم يدرك أصحاب العمل أنهم أسدوا إليّ هذه الخدمة، ولكن الحساب السنوي سيجري قريباً وبعد أيام سيصل المحاسبون، وإن لم أقم بعمل سريع، سيكون موقفي وأنا الصرّاف موقفاً محرجاً. ولم يكن أمامي إلا ثلاث طرق، فأنا أستطيع أن أعترف لأصحاب العمل وأطلب الصفح، وأستطيع أن أنتظر حتى يكتشف المحاسبون الاختلاس، أو أستطيع أن أجمع ملابسي وأغادر المدينة في سرعة. وكان علي أن أختار واحداً من هذه الحلول، وإن لم يرق لي أحدها. ولم أكن قد وفقت إلى حل حين خرجت من دار السينما إلى شوارع جلاسجو المضيئة. ولم أكن في عجلة من أمري فلن يواتيني النوم لو عدت إلى بيتي.

وفي الطريق كان هناك رجلاً واقفا، وكدت لا أراه وأنا أتمشى مشغول البال، وكان يستند إلى النافورة، وما كدت أقترب منه حتى تهالك ووقع من على الرصيف إلى الشارع، وسمعت نفير عربة قادمة وجذبت ذراعه بشدة وسألته:

- "وما هذا؟ أتريد أن تقتل نفسك؟"

وأجاب غاضباً:

- "وما دخلك أنت؟"

وإذ ذاك لاحظت أنه ليس مخموراً بل مريضاً.

وأسندته إلى النافورة وقلت له

- "انتظر قليلاً وسأعود حالا" وعندما عدت بقدحين من القهوة من المقهى المجاور كان ما زال واقفاً في مكانه، وقد انحنت رأسه على صدره. وقلت:

- "خذ اشرب هذا القدح"

وخيل إليّ أنه سيرفض ولكنه مد يداً مرتجفة وقال في صوت خشن

- "متشكر"

ورفع رأسه لأول مرة وحدّق في وجهي. وكاد القدح يسقط من يدي من فرط الدهشة. فعندما نظر إليّ خيّل إليّ أنني أنظر في مرآة.

كان الشبه بيننا عجيباً وحتى لحيته التي أطلقها لم تخف هذا الشبه. وفي هذه اللحظة خطر لي حل رائع لمشكلتي .. وأخافتني أفكاري فمنذ دقائق أنقذت حياة هذا الرجل وكان في نيتي أن آخذه إلى مستشفى أو طبيب. والآن أفكر في قتله حتى وأنا أبتسم له! ولم يبد أنه لاحظ الشبه بيننا ولعله كان منشغلاً بمرضه. وقلت:

- "اسمع يا صديقي يبدو أنك مريض، دعني أصحبك إلى بيتك، أين تسكن"

وهز الرجل كتفيه

- "لا بيت لي"

وحاولت أن أخفي فرحي فلا ينم عنه صوتي وقلت

- "إنني أريد مساعدتك، فهل تأتي معي إلى بيتي؟"

وأشرت إلى سيارة أجرة دون أن أنتظر إجابته، وفتحت الباب وانتظرت في ترقب أن يدخل الرجل العربة وتردد هو قليلاً ثم دخل في احتراس.

ولم أتكلم مع ضحيتي المقبلة طيلة الطريق إلى شقتي. وكنت أزن الموضوع في عقلي وأرى إمكانيات اكشتاف مثل هذه الجريمة .. الجريمة الكاملة التي يكتب الكتاب عنها، ولكنها لا تتحقق إلا نادراً.

ولم يكن هناك من سبيل لاكتشاف مثل هذه الجريمة، إلا إذا وجد أقارب للقتيل، فهل لهذا الرجل أقارب أو أصدقاء من المحتمل أن يبدأوا البحث عنه إذا ما اختفى؟ لا أظن ذلك، ولكن لا بد من التأكد.

ودخلنا الشقة دون أن يلحظنا أحد ....

وأشرت إليه بالجلوس على أحد المقاعد، وقلت وأنا أبحث عن الكبريت لإشعال الموقد:

- "لست بطباخ ماهر، ولكني سأعد الطعام، إني أحياناً أود لو كنت متزوجاً لتطبخ لي زوجتي"

وسألته في نبرة طبيعية دون أن أنظر إليه.

- "هل أنت متزوج؟"

وتوقف عن الإجابة لحظة، ثم قال في صوت هادئ:

- "كنت متزوجاً؟"

ونظرت إليه في تساؤل فقال:

- "لقد توفيّت زوجتي منذ ثلاثة أسابيع، ومن يومها وأنا أتجول في الشوارع بلا هدف".

وسألته:

- "ولكن أقاربك .. ألا يزعجهم مسلكك هذا؟"

وهز رأسه ببطء .....

ومسحت على شفتي وأنا أسأل سؤالي الأخير:

- "ولكن لا بد وأن لك أصدقاء يمكن أن تلجأ إليهم ...."

واستمر يهز رأسه. وارتفعت روحي المعنوية ارتفاعاً كبيراً ودون أن أنطق بكلمة أخرى تركت الغرفة ورجعت بكأس من العصير وذوبت فيها كل الحبوب المنومة التي وجدتها في الأنبوبة وقلت:

- "اشرب هذا ريثما أتم إعداد الطعام"

واستغرق في نوم عميق بعد عشر دقائق .. وفي نور حجرتي لم أجد الشبه بيننا كاملاً، ولكنه كان كافياً لخداع أي شخص يطلب إليه التعرف على شخصيتي ... ولم يكن لي بدوري أقارب يقلقهم أمري وهكذا كان الموضوع بسيطاً للغاية.

وخلعت ملابسه وألبسته ملابسي، وحلقت ذقنه ولم يتحرك. وأسفر البحث في ملابسي الجديدة عن محفظة فارغة فيها جواب معنون إلى (جون سميث) على عنوانه في لندن وصورة له ولزوجته ووضعت كل هذه الأشياء في جيبي ومعها ما تبقى لي من نقود. وبعد تفكير كتبت ورقة تركتها على المائدة وكتبت فيها "هذا هو المخرج الوحيد لي" وأمضيتها باسمي "جون رامزي" ...

وأقفلت الغاز ثم فتحته من جديد دون أن أشعله، وألقيت نظرة أخيرة على المكان وأطفأت النور وتركت الشقة.

ولعلك قرأت في الجرائد عن مدى نجاح خطتي فقد ظهرت إحداها بعنوان (مختلس ينتحر) وكان خبر انتحاري المزعوم موضع اهتمام الجرائد لعدة أيام بقيت أثناءها مختبئاً في "جلاسجو" ثم أخذت القطار إلى لندن.

ولكن ما وطأت قدماي أرض المحطة في لندن حتى ألقي القبض علي. وكان من الطبيعي أن أحتج وأن أقول لرجال البوليس أنهم يرتكبون خطأً كبيراً، وأنني جون سميث، بل أنني أبرزت الصورة لأثبت صحة قولي، ولا عجب أن كانوا قد نظروا إليّ نظرتهم إلى مجنون، فقد كان جون سميث مجرماً خطيراً .. لقد أخبرني أن زوجته ماتت، وكان الأخرى أن يخبرني كيف ماتت، كان الأحرى به أن يخبرني أنه قد خنقها.

هذه القصة مختلفة عن قصة الصياد - فهي لا تصور حدثاً ينمو ويتطور إلى أن يبلغ نهايته بل هي مجموعة من الأخبار وضعت جنباً إلى جنب لتبدو في شكل قصة وهذه الأخبار هي:

أولاً: نتعرف على رجل يدعى جون رامزي مغرم بالخمر والنساء والقمار ونعلم أن هذا الرجل قد اختلس ألفين من الجنيهات من مستخدميه كما نعلم أن عليه أن يسلك إحدى سبل ثلاث فإما أن يطلب الصفح من مستخدميه أو يهرب أو ينتظر حتى يكتشف أمره ويوضع في السجن.

ثانياً: يقابل رجلاً آخر يسمى "جون سميث" ماتت زوجته حديثاً وهو مريض وتعيس ويشبه "جون رامزي" كثيراً ويأخذ "رامزي" هذا الرجل إلى شقته ويقتله ونتحل شخصيته.

ثالثاً: يغادر "رامزي" "جلاسجو" إلى "لندن" فيقبض عليه هناك باعتباره "جون سميث" الذي خنق زوجته.

والخبر الأول وهو الذي يصّور المأزق الذي كان جون رامزي فيه بعد اختلاسه للألفي جنيه يمثل بداية القصة أو الموقف. ولكن الخبر الثاني وهو ما يقابل وسط القصة ويصوّر مقابلة رامزي لجون سميث وقتله له وانتحاله لشخصيته فلا ينمو من الموقف بل يروي خبراً جديداً يكاد أن يكون مستقلاً عن البداية ولا يرتبط بها إلا بعامل الصدفة. أما الخبر الثالث أي ما يقابل نهاية القصة ويصوّر القبض على "جون رامزي" باعتباره "جون سميث" الذي قتل زوجته فيروي هو الآخر خبراً جديداً لا ينمو من الخبر السابق ولا يرتبط به إلا بالصدفة أيضاً.

وهكذا نجد أن هذه القصة تتكون من ثلاثة أخبار يرتبط كل منها بالآخر بالصدفة بدل أن يؤدي كل منها إلى الآخر بالضرورة والحتمية، ولذلك فهي لا تصوّر حدثاً ينمو ويتطور من نقطة إلى أخرى وبالتالي فلا يمكن أن نقول أن لهذه القصة بداية ووسط ونهاية ...
والواقع أنه من الخطأ اعتبارها قصة على الإطلاق إذ أنها كما تبيّن لا تعدو أن تكون مجموعة أخبار ربط الكاتب بينها بطريقة مصطنعة ليوهمنا بأنها قصة.

ويسمي أرسطو هذا النوع من القصص (بقصص الأخبار) ويعتبره أحط أنواع القصص.

وفي الحلقة الثانية سنتكلم إن شاء الله عن الشخصيّات.
أم مالك الأزدية

(( الحلقة الثانية ))

الحلقة الثانية عن بناء القصة:

ب - الشخصيات

في كثير من الأحيان ينشأ الحدث عن موقف معين ثم يتطور إلى نهاية معينة ومع ذلك يظل الحدث ناقصاً. فتطوره من نقطة إلى أخرى إنما يفسر لنا كيف وقع ولكنه لا يفسر لنا لم وقع. فلكي يستكمل الحدث وحدته، أي لكي يصبح حدثاً كاملاً، يجب أن لا يقتصر الخبر على الإجابة على الأسئلة الثلاث المعرفة وهي كيف وقع وأين ومتى؟ بل يجب أن يجيب على سؤال رابع مهم وهو لم وقع؟ والإجابة على هذا السؤال تتطلب البحث عن الدافع أو الدوافع التي أدت إلى وقع الحدث بالكيفية التي وقع بها. والبحث عن الدوافع يتطلب بدوره التعرف على الشخص أو الأشخاص الذين فعلوا الحدث أو تأثروا به.

فمن البديهي أنه ما من حدث يقع بالطريقة المعينة التي وقع بها وإلا كان نتيجة لوجود شخص معين أو أشخاص معينين، كما أن وجود شخص معين أو أشخاص معينين يترتب عليه وقوع الحدث بطريقة معينة. وبذلك يكون من الخطأ الفصل أو التفرقة بين الشخصية وبين الحدث، لأن الحدث هو الشخصية وهي تعمل أو هو الفاعل وهو يفعل. فلو أن الكاتب اقتصر على تصوير الفعل دون الفاعل لكانت قصته أقرب إلى الخبر المجرد من القصة، لأن القصة إنما تصوّر حدثاً متكاملاً له وحدة، ووحدة الحدث لا تتحقق إلاّ بتصوير الشخصية وهي تعمل، أي عندما يجيب الكاتب على أسئلة أربعة وهي: كيف وأين ومتى ولِم وقع الحدث. ولكي ندرك ما نعني بذلك دعونا نقرأ القصة التالية بعنوان:

شرف اللصوص.

كان "مارتن" موضع ثقة في بلده "ملبورن".

وقد مارس المهنة لمدة خمس وعشرين عاماً ولم يزاول يوماً عملاً من الأعمال الشاقة ولذلك كان يشعر أنه ضرب رقم قياسياً في ذلك الصدد والآن وهو في الثانية والخمسين من عمره كان قد اعتزل العمل أو كاد، وكان يقضي أغلب وقته يتمتع بهوايته في الغرفة التي أعدها للتصوير الفوتوغرافي في شقته.

وكان ما يزال يقوم ببعض الأعمال، ولكن دون أن يرهق نفسه، فحسابه في البنك حساب ضخم. ولم يتجاوز عدد العمليات التي يقوم بها سنوياً ثلاث عمليات.

وفي بعض الأحيان كان من الممكن أن يكون رقيق القلب كما كان مثلاً مع "ساره بيرنكروفت".

كان قد قابلها في صالة فندق أوستريا بينما كان يشرب القهوة بعد الانتهاء من الغداء.

ولمدة نصف ساعة ظل يراقبها بصورة غير ملحوظة وبعد ذلك استدعاها الخادم لترد على مكالمة تليفونية وغابت عن عينه فترة من الوقت ولمح الدموع في عينيها حين عادت، وبينما كانت تجمع حاجياتها لتخرج من المكان اتجه هو إلى مائدتها وقدّم إليها نفسه في هدوء، وأعرب عن رغبته في مساعدتها.

وفي بادئ الأمر ابتسمت ابتسامة واهية وهي تهز رأسها ثم استمعت إليه وهو يتكلم واستسلمت لكلماته المؤثرة، والتي كانت من أسباب نجاح "مارتن" في مهنته. وسمحت له باصطحابها إلى مائدته وأفضت له بمشكلتها.

قالت أنها متزوجة برجل عمره ضعف عمرها وأنها تعلقت برجل غيره أثناء رحلة من رحلات الزوج إلى انجلترا، ولكنها أدركت سريعاً مدى حماقتها وقطعت علاقاتها بذلك الرجل ولكن من سوء الحظ أنها كتبت لذلك الرجل خطاباً. ولم تدرك إلاّ بعد ذلك بفترة خطورة هذا الخطاب وخطورة وقوعه في يد زوجها. ولكي تزيل القلق الذي استولى عليها اتصلت بالرجل تليفونياً، وطلبت منه إعادة الخطاب إليها .. وفي بادئ الأمر وافق الرجل على ذلك واتفقا على أن يتقابلا في فندق أوستريا ولكنه لم يحضر، وتكلم أخيراً في التليفون ليساومها بصراحة على الخطاب وحد مبلغ ألف جنيه ثمناً للخطاب نظراً لغنى زوجها.

وقال "مارتن" في رقة:

- وهل لديك ألف جنيه؟

وهزت "سارة" رأسها.

- ليس زوجي بالرجل الكريم، وأنا دائماً في حاجة إلى نقود، ولكني أستطيع أن أجمع ألف جنيه، فعندي بعض المجوهرات وأستطيع أن أبيعها دون أن يدري ولكن ...

وقال "مارتن" في عطف ...

- ولكن ماذا؟

- ولكني خائفة فقد يأخذ مني ستيوارت المبلغ دون أن يسلمني الجواب. الواقع إني فقدت الثقة فيه.

وقال "مارتن وهو يربت على يدها:

- أنت تحتاجين يا عزيزتي إلى رجل يقوم بالمبادلة، وأنا على استعداد لتقديم خدماتي وأؤكد لك أن ستيوارت سيسلمني الخطاب وترددت سارة في بادئ الأمر ولكن مارتن استمر في الإلحاح حتى وافقت أخيراً.

وبعد أن ترك "مارتن" سارة مر بصديق له يعمل في تزييف الأوراق المالية واشترى منه بمبلغ عشرة جنيهات ألف ورقة مزيفة من فئة الجنيه. ولم يكن تزييفها دقيقاً ولكنها تخدم الغرض الذي يهدف إليه "مارتن" وفي الساعة الثامنة كانت "سارة" تنتظر في صالة فندق "ريدج"، وبعد أن تناولا مشروباً خفيفاً أعطته لفة صغيرة ملفوفة في ورق بني وأخرج ورقة وقلماً وبدأ يكتب ...

وقالت هي:

- ماذا تكتب؟

- صكاً أتعهد فيه أن أدفع لمسز "سارة برنكروفت" مبلغ ألف جنيه ... مقابل، مقابل ماذا؟ .. دعينا نقول .. مقابل بعض الخدمات، والآن هذا هو عنواني.

ورفضت سارة أن تأخذ العنوان ولكنه أسكتها بابتسامة وقام

- أستأذن الآن فعلي أن أذهب لمقابلة صديقك، وميعادي معكِ هناك في العاشرة هذه الليلة.

وأمسك باللفة ثم خرج.

وفي شقته فتح اللفة ووجد فيها ألف جنيه أصيل أخذ منها عشرين جنيهاً، ثم وضع بقية النقود الأصلية في خزانته. وأخرج من مكتبه النقود المزيفة وقسمها إلى حزم وفوق وتحت كل حزمة وضع جنيهين أصيلين من العشرين جنيهاً.

وفي شقة "ستيوارت" لم يصادف "مارتن" أي عناء. وتطلع "ستيوارت" إلى النقود برهة وجيزة فطالعته النقود الأصلية في أول وآخر كل حزمة ولم يلبث حتى أعطى "مارتن" الخطاب.

وعاد "مارتن" إلى شقته ولف بقية النقود الأصلية وقدرها 980 جنيهاً في ورقها وأخذها معه وهو متجه إلى ميعاد "سارة" في فندق "ريدج" في العاشرة.

وعندما رأى "سارة" سلّمها الخطاب في هدوء. وفحصت هي الخطاب وتنفست تنفساً عريضاً، ووضعته في حقيبتها. وابتسم هو وأعطاها بقية النقود وهو يقول:

- إن خطابك لم يكلف إلاّ عشرين جنيهاً وها هي بقية نقودك. واستولت عليه الدهشة.

- ولكن كيف، كيف استطعت أن تفعل ذلك؟

وأخبرها في تواضع عمّا حدث، وعندما انتهى استغرقت "سارة" في الضحك بينما أشرق وجه "مارتن" وقال:

- إني أنصحك أن تحرقي الخطاب في الحال، ويمكنك أن تحرقيه في المدفأة في الغرفة المجاورة لنا.

وقامت سارة وأمسكت حقيبتها وخرجت قاصدة الغرفة المجاورة.

وجلس "مارتن" ينتظر رجوعها والسعادة تغمر قلبه، ولكن بدأ القلق يستولي عليه حين مضت عشر دقائق ولم تعد "سارة"، وذهب يبحث عنها وأخبره كاتب الاستعلامات أن السيدة رمت ورقة في النار، وانتظرت حتى احترقت ثم طلبت تاكسي وغادرت الفندق.

ومشى "مارتن" إلى بيته والأفكار تتزاحم في رأسه.

وفي صباح اليوم التالي زاره مندوب إحدى الشركات القانونية وأخبره المندوب أن عميلته مسز "بيرونكروفت" قد أدت لمارتن خدمات معينة لا ترغب في تحديدها، وأن "مارتن" مدين لها بمبلغ ألف جنيه مقابل هذه الخدمات، وأبرز الصك الذي كتبه "مارتن" بخط يده. وأضاف المندوب أن عميلته ترغب في تحصيل المبلغ في الحال، وإلا اضطرت إلى اتخاذ الإجراءات القانونية لتحقيق هذا الهدف.

وهز "مارتن" رأسه وأدرك أن لا مفر له من الدفع، وكتب شيكاً بالمبلغ المطلوب وتسلم الصك من المندوب.

وبعد أن خرج المندوب جلس "مارتن" ساهماً، لقد خدم الفتاة وحفظ لها نقودها وماذا كان جزاؤه؟ سرقته، نعم سرقت منه مبلغ ألف جنيه إلى جانب العشرة الجنيهات التي دفعها ثمناً للنقود المزيفة. أليست المرأة مخلوقاً متقلباً لا يمكن الاعتماد عليه؟ أليس من الخبر دائماً أن يحترس الإنسان من المرأة؟

وقام "مارتن" إلى خزانته وفتحها وأخرج منها نسخة فوتوغرافية من خطاب "سارة"، نسخة كان قد صوّرها في الليلة الماضية عقب قراءة الخطاب.

وأمسك بالنسخة في يده، ستدفع "سارة" مبلغ الألف جنيه والعشر الجنيهات. ستدفع كل ذلك عن رضا ثمناً لهذه النسخة من الخطاب.

هذه القصة تصور حدثاً يمكن أن نلخصه فيما يلي:

أولاً: نتعرف على رجل يدعى "مارتن" وهو محتال يتعرف على سيدة تدعى "مسز بيرونكروفت" ويعلم أنها في مأزق لأن عشيقها يرفض أن يرد إليها خطاباً من خطاباتها إلاّ إذا دفعت له ألف جنيه وهي تخشى أن لا يرد إليها الخطاب حتى ولو دفعت له هذا المبلغ المطلوب، وهذا هو الموقف أو بداية الحدث.

ثانياً: يتطوع "مارتن" بمساعدتها وفعلاً تعطيه "مسز بيرونكروفت" الألف جنيه ويكتب لها صكاً يتعهد فيه بأن يدفع لها مبلغ ألف جنيه مقابل بعض الخدمات. ويذهب "مارتن" فيحصل على ألف جنيه مزيفة ثم يرتبها مع عشرين جنيهاً أصلية بحيث يختفي تزييفها ويسلمها لعشيق مسز "بيرونكروفت" الذي يسلمه بدوره الخطاب. وبعد ذلك يذهب "مارتن" لمقابلة "مسز بيرونكروفت" فيرد إليها ما تبقى من نقودها وهو مبلغ 980 جنيهاً كما يرد إليها خطابها ويشرح لها ما حدث وتشكره مسز "بيرونكروفت" وتذهب لتحرق الخطاب ولكنها لا تعود ويعلم "مارتن" أنها غادرت الفندق وهذا هو تطور الموقف أو وسط الحدث.

ثالثاً: في اليوم التالي يحضر وكيل "مسز بيرونكروفت" لمقابلة "مارتن" ويطالبه بأن يفي بالتعهد الذي أخذه على نفسه وهو أن يدفع لموكلته مبلغ ألف جنيه ويريه الصك الذي كتبه بيده. ويدفع "مارتن" المبلغ ثم نعلم أنه كان قد أخذ صورة لخطابها لعشيقها وأنها ستضطر طبعاً إلى أن تدفع مبلغ الألف جنيه حتى يعطيها صورة الخطاب - وهذه هي نهاية الحدث.

والحدث كما يبدو يتطور من نقطة إلى أخرى، أي أن كل جزء فيه يبدو وكأنه يؤدي إلى الجزء الذي يليه، فنحن نعلم أنه كنتيجة لمقابلة "مارتن" (لمسز بيرونكروفت) استرد الخطاب وأعاده إلى السيدة كما أعاد إليها نقودها كاملة تقريباً، وهذا عمل نبيل وخاصة إذا صدر عن محتال مثل "مارتن" ونحن نعلم أيضاً أنه كنتيجة لحصول (مسز بيرونكروفت) على خطابها استغلت الصك الذي كتبه "مارتن" وابتزت منه ألف جنيه، ولكن خطتها لم تنجح تماماً لأن مارتن يملك صورة من خطابها ويستطيع بهذه الصورة أن يستعيد نقوده.

نحن نعلم كل هذه الأشياء وهي تبدو كما قلت متصلة ببعضها اتصالاً وثيقاً، فكل منها يبدو مترتباً على ما سبقه ومؤدياً إلى ما يليه، ومع ذلك فالحدث لا يقنعنا. وقد تكون كل هذه الأشياء التي ترويها القصة قد حدثت بالفعل ولكنها مع ذلك لا تقنعنا، لأن الكاتب في روايته لها قد فشل في الإجابة على سؤال مهم وهو، لما حدثت كل هذه الأشياء؟

"فمارتن" محتال محترف له في مهنة الاحتيال خمس وعشرين عاماً وتسنح له فرصة ذهبية للاستيلاء على ألف جنيه وخدمة السيدة في نفس الوقت، ومع ذلك لا ينتهز هذه الفرصة، فهو يحتال على العشيق لا ليأخذ النقود لنفسه، بل ليعيدها إلى السيدة ومعها الخطاب.

ونحن نعلم أن (مسز بيرونكروفت) سيدة متزوجة وأن زوجها غني وأنها مخلصة في رغبتها في استرداد خطابها من عشيقها، وأنها سلّمت ألف جنيه لمارتن رغم أنه بالنسبة إليها رجل غريب تكاد لا تعرفه، وأنها لم تطلب منه صكاً أو إيصالاً بالمبلغ وإنما هو الذي تطوع بكتابة ذلك الصك، وكل هذا يدل على أنها أمينة أو على الأقل لا يدل على أنها محتالة، ولذلك فنحن نتساءل لماذا تحتال على "مارتن" وتطالبه بالألف جنيه التي تعهد بدفعها في الصك؟

ونحن نتساءل أيضاً لماذا أخذ "مارتن" صورة لخطاب (مسز بيرونكروفت) إلى عشيقها؟ ألكي يبتز أموالها في المستقبل؟ إن الكاتب يخبرنا أن "مارتن" سيستخدم صورة الخطاب في استرداد الألف جنيه التي دفعها فحسب، أي أنه لم يكن ينوي في الأصل ابتزاز أموال السيدة. فلماذا أخذ صورة الخطاب إذن؟ وإذا كان يريد ابتزاز أموالها فلماذا أعاد إليها 980 جنيه مع أنه لم يكن بحاجة إلى أن يفعل ذلك؟ كل هذا أسئلة يفشل الكاتب في الإجابة عليها، بل أنه لا يحاول الإجابة عليها على الإطلاق، ولذلك فرغم ما يبدو من ترابط بين أجزاء الحديث الذي تصوره هذه القصة فهي في الحقيقة غير مترابطة. لأننا لا نعلم السبب في وقوعها بالكيفية التي وقعت بها القصة. ومن ثم فنحن لا نستطيع أن نقول إن بداية الحدث تؤدي بالضرورة إلى الوسط وأن الوسط يؤدي بالضرورة إلى النهاية.

أي أن الحدث الذي تصوره هذه القصة لا يمكن اعتباره حدثاً متكاملاً له وحدة.

فالحدث هو تصوير الشخصية وهي تعمل .. والكاتب في هذه القصة قد اقتصر على تصوير الفعل دون الفاعل، ولذلك جاء الحدث ناقصاً.

ولما كانت القصة - أية قصة - يجب أن تصوّر حدثاً متكاملاً له وحدة، لذلك لا يمكن اعتبار هذه القصة قصة على الإطلاق، فهي في الواقع مجرد خبر من الممكن أن تنشره احدى الصحف في صفحة الحوادث بعنوان "محتال يساعد سيدة فيحتال عليه"، خبر ظريف يمكن أن تقرأه وتنساه، ويمكن أن تقرأه ثم تلخصه وترويه لأحد أصدقائك دون أن يفقد معناه. لأنه إنما يزودك بالمعلومات، بأن كذا وكذا قد حدث، تماماً كما تستطيع أن تلخص صفحة في كتاب من كتب الجغرافيا، فتقول مثلاً إن الأرض كروية وإن سرعة دورانها حول نفسها كذا، فهذه كلها أخبار قد تكون مترابطة بعضها مع البعض ترابطاً وثيقاً، ولكنها لا تعدو أن تكون مجرد أخبار، ولذلك يمكن أن تلخصها وتنقلها بوسيلة أو أخرى دون أن تفقد مدلولها. ولكن لا تستطيع أن تفعل الشيء مع القصة الجيدة، لا تستطيع أن تلخصها وترويها دون أن تفقد معناها، لأن القصة لا تعنى بنقل الخبر بل بتصوير حدث متكامل له وحدة، والحدث كما سبق أن قلت هو تصوير الشخصية وهي تعمل.

ولكن لأجل أن يتضح لنا هذا المفهوم سوف نقرأ القصة التالية "لجي دي موباسان" بعنوان (ضوء القمر)
في اللقاء الأخر بإذن الله
أم مالك الأزدية
الحلقة الثالثة عن بناء القصة:

ج - المعنى

رأينا أن تطور الحوادث بالضرورة من موقف إلى وسط إلى نهاية لا يكفي لتصوير الحدث إذ أن الحدث هو تصوير الشخصية وهي تعمل.

ولكن تصوير الشخصية وهي تعمل لا يكفي بدوره لاكتمال الحدث فالحدث المتكامل هو تصوير الشخصية وهي تعمل عملاً له معنى. وليس هذا المعنى شيئاً مستقلاً عن الحدث يمكن أن نضيفه إليه أو أن نفصله عنه فنقول مثلاً أن هذه القصة تعالج مشكلة الفقر... أو تثبت أن الفضيلة أقوى من الرذيلة، فكل قصة تعالج ما تعالج فقط، وتعني ما تعني فقط في نطاق الحدث المعين الذي تصوره وليس خارج هذا النطاق، ولذلك فكل حدث له معناه المعين الذي يميزه عن غيره من الأحداث. وهذا المعنى ينشأ من الحدث نفسه فهو جزء لا يتجزأ منه.

وبدون المعنى لا يمكن أن يتحقق للحدث الاكتمال لأن أركان الحدث الثلاثة وهي الفعل والفاعل والمعنى وحدة لا يمكن تجزئتها. فليس للفعل والفاعل قيمة إن لم يكشفا عن معنى.

وقد يرسم الكاتب شخصيات قصته رسماً رائعاً دقيقاً. كما قد يبدع في تصوير ما تقوم به من أفعال ومع ذلك تظل قصته ناقصة لأن الحدث لم يكتمل. إذ لا وجود لحدث لا غرض له وبالتالي فلا وجود لحدث لا معنى له. والكثير من القصص التي تصوّر الحوادث والأشخاص دون الإفصاح عن معنى معين لها، متعللة في ذلك بمذهب الواقعية ليست من الواقعية في شيء، لأن الواقعية هي تصوير الحدث كاملا، وذلك يتضمن - كما قلت - الإفصاح عن معنى الحدث. ومثل هذه القصص الخالية من المعنى هي في الحقيقة أقرب إلى التاريخ منها إلى الأدب ولذلك فنحن نسميها قصصاً (تسجيلية) لأنها تكتفي بتسجيل الحوادث تماماً كما تفعل كتب التاريخ، ومهما كان ذلك التسجيل أميناً أو متقناً فإنه لا يكفي وحده لأن يجعل منها قصصاً بالمعنى الصحيح، لأن كاتب القصة غير كاتب التاريخ، لا يصوّر الحدث من أجل الحدث نفسه، بل لأن هذا الحدث يعني بالنسبة له شيئاً معيناً.

فالمعنى بالنسبة لكاتب القصة ركن من أركان الحدث وجزء لا ينفصل عنه. ولذلك فإن الفعل والفاعل، أو الحوادث والشخصيات، يجب أن تقوم على خدمة المعنى من أول القصة إلى آخرها، فإن لم تفعل ذلك، كان المعنى دخيلاً على الحدث، وكانت القصة بالتالي مختلة البناء.



أذكر قصة "لسمر ست موم" بعنوان الزوجين السعيدين تقع في حوالي ثلاثين صفحة، يبدأها الكاتب برسم شخصية قاض إنجليزي في الخمسين من عمره اسمه Landon وهو يستغرق في رسم هذه الشخصية صفحات طوال حتى ليخيل إلينا أن القاضي Landon هو بطل القصة، ومن ثم نتوقع أن تبنى حوادث القصة على هذه الشخصية التي رسمها الكاتب بإسهاب، ولكن ذلك لا يحدث. فبعد قليل ينتقل الكاتب إلى شخصية أخرى لسيدة تدعى "مس جراى" في الأربعين من عمرها وما زالت على شيء من الجمال، يتعرف بها الكاتب في "الريفيرا" حيث يقضي الصيف. ويرسم الكاتب شخصية "مس جراى" هي الأخرى بإسهاب ودقة حتى يخيل إلينا أنها بطلة القصة أو أن القصة ستتطور بعد ذلك بحيث تلعب فيها شخصية "مس جراى" بعاداتها وأخلاقها وجمالها دوراً فعّالاً، ولكن ذلك لا يحدث، ففي المرحلة التالية للقصة يحضر القاضي "لاندن" إلى "الريفيرا" هو الآخر وينزل ضيفاً على الكاتب، ويتعرف بطبيعة الحال على "مس جراى" والقاضي أعرب "ومس جراى" بدورها لم يسبق لها الزواج، ويعجب بها القاضي إعجاباً شديداً، ويسهب الكاتب في وصف هذا الإعجاب حتى يخيل إلينا أن علاقة ما ستنشأ بين "لاندن" "ومس جراى" نتيجة لذلك الإعجاب، ولكن ذلك لا يحدث. ففي المرحلة التالية للقصة نتعرف على شخصين جديدين هما "مستر ومسز كريج" وكلاهما متقدم في العمر، ولكنهما يحبان بعضهما حباً شديداً أشبه بحب الشبان المراهقين. ولهما طفل ما زال رضيعاً، وهما لا يتزاوران مع الناس، وكل ذلك يثير فضول "مس جراى" فتدعوهما للغداء وتدعو القاضي "لاندن" والكاتب طبعاً وعندما يقابلهما القاضي يبدو عليه أنه يعرفهما، وفي أثناء الغداء يقع "مستر كريج" مغشياً عليه، ويحملونه إلى منزله وفي صباح اليوم التالي تخبره "مس جراى" الكاتب والقاضي أن "مستر ومسز كريج" قد اختفيا، رحلا أثناء الليل فجأة دون أن يعلما أحد بمقصدهما، ويثير ذلك تكهنات الكاتب ويلح على القاضي فيخبره بقصتهما. وهي تتلخص في أن "مسز كريج" كانت تعمل منذ سنوات كمديرة بيت لسيدة غنية عجوز، وفجأة ماتت هذه السيدة وتركت كل ما تملك "لمسز كريج" ودهش أهل السيد: العجوز واشتكوا، ولكن الوصية كانت صحيحة سليمة لا غبار عليها، غير أنه كانت في خدمة السيدة العجوز فتاة قروية أخذت تثير الشكوك حول موت سيدتها إلى أن أنصت إليها البوليس وأعاد الكشف على الجثة. وأثبت الكشف الطبي أن السيدة ماتت بنتيجة لجرعة مضاعفة من دواء معين للقلب. وهنا يلقي القبض على "مستر كريج" الذي كان في ذلك الوقت الطبيب الخاص للسيدة العجوز، ويسفر التحقيق عن وجود علاقة بين الطبيب "كريج" والسيدة مدبرة البيت، أي مسز كريج فيما بعد، ويقدما للمحاكمة.

ويستمر القاضي "لاندن" في سرد قصته فيقول:

"كنت واثقاً كل الثقة من أن المحلفين سيدينون الطبيب والسيدة ولكني أدركت أني كنت مخطئاً عندما رأيت المحلفين يدخلون قاعة المحكمة بعد المداولة، فقد قضوا بالبراءة، أما أنا فكنت أعتقد وما زلت أن الطبيب ومدبرة البيت قد قتلا السيدة العجوز".

ويسأله الكاتب أو راوي القصة "ولكن ما الذي دعا المحلفين إلى تبرئتهما؟" يجيب القاضي "لقد سألت نفسي نفس السؤال فهل تعرف التفسير الوحيد لحكم المحلفين بالبراءة؟ إن الكشف الطبي قد أثبت أن مدبرة البيت كانت عذراء وبذلك لم يثبت أنها كانت عشيقة للطبيب".

وكانت عذرية السيدة هي أغرب معالم القضية، فهذه المرأة التي رضيت أن ترتكب جريمة قبل لتنال الرجل الذي تحبه، لم ترض أن تقوم بينها وبينه علاقة غير شرعية.

ويعلق الراوي بقوله "إن الطبيعة البشرية غريبة، أليس كذلك؟" ويقول "لاندن" "غريبة جداً في الواقع" ويحتسي ما تبقى في كوبه من القهوة. وهذه هي نهاية القصة.

وبما أن الحدث يكتمل في المرحلة الثالثة من مراحل بناء القصة وهي مرحلة النهاية فإن معنى الحدث يتضح بطبيعة الحال في هذه المرحلة، أي عندما تنتهي خيوط الحدث التي أبان عنها الكاتب في المرحلة الأولى وهي مرحلة الموقف عند نقطة نهائية، وهي ما نسميها (بنقطة التنوير) والنقطة التي تنتهي إليها قصة "موم" هذه هي أن الطبيعة البشرية غريبة. لأن مدبرة البيت رضيت أن تقتل لتنال الرجل الذي لم تحبه ولم ترض رغم ذلك أن تقوم بينه وبينها علاقة غير شرعية. هذا هو المعنى الذي يريد الكاتب أن يفصح عنه. ونحن لا نناقش هذا المعنى. وإنما الذي نناقشه أن الأحداث والشخصيات التي صوّرها الكاتب في قصته لا تخدم هذا المعنى. فلم يكن هناك ما يدعو إلى وصف القاضي "لاندن" بكل هذا الإسهاب، ولم يكن هناك مثلاً ما يدعو إلى أن يكون أعزباً في الخمسين من عمره، محافظاً متزمتاً، إذ أن أي قاض مهما كان عمره ومهما كانت أخلاقه، كان من الممكن أن يحضر مثل هذه المحاكمة ويري قصة "مستر ومسز كريج". ولم يكن هناك ما يدعو أيضاً إلى وصف "مس جراى" بالجمال، وإلى القول بأنه لم يسبق لها الزواج وأنها في الأربعين من عمرها فأية امرأة كانت تستطيع أن تحل محلها، أي أن أية امرأة كانت تستطيع أن تدعو "مستر ومسز كريج" إلى مأدبة غداء ليراهما القاضي "لاندن" ويروي قصتهما، ولم يكن هناك أيضاً ما يدعو إلى أن يقوم بين القاضي وبين "مس جراى" إعجاب شديد يقرب من المحبة لأن هذا لا علاقة له بقصة "مستر ومسز كريج".

فكل هذه الدلائل في الواقع تجعلنا نتوقع أشياء معينة لا يتحقق حدوثها في القصة، بل تحدث بدلاً منها أشياء أخرى لا علاقة لها بما مهد الكاتب له وما توقعنا نحن القراء حدوثه. وذلك لأن الكاتب يعتمد في تحقيق المعنى على إثارة الدهشة في القارئ، وهو في ذلك مخطئ لأنه بهذا يجرد قصته من الشكل. فالشكل في العمل الفني لا يعتمد على إثارة أمور لا تتحقق، بل على إثارة الرغبة ثم إشباعها.

ويتضح اختلال البناء في قصة "موم" إذا تأملت الخيوط التي رسمها المؤلف في بداية القصة. فإن هذه الخيوط تظل إلى النهاية خيوطاً متفرقة لا تتجمع في نقطة واحدة، في حين أننا نجد أن النقطة التي ينهي بها الكاتب قصته لا علاقة لها بالشخصيات والأحداث التي صوّرها في القصة، أي بالخيوط التي رسمها. ومعنى ذلك أن نقطة التنوير وهي النقطة التي تكتمل بها معنى الحدث، لم تأت في هذه القصة كنتيجة محتومة لما سبقها.

وبذلك نستطيع أن نقول أن هذه القصة تصوّر حدثاً لا معنى له، لأن الحوادث التي رواها الكاتب والشخصيات التي رسمها لا تؤدي إلى المعنى الذي أنهى به الكاتب قصته، فهذا المعنى لم يأت كنتيجة لاكتمال الحدث، بل هو دخيل على الحدث مفروض عليه من الخارج. وبناءً عليه نستطيع أن نقول أن هذه القصة مختلة البناء لأنها لا تصوّر حدثاً له بداية ووسط ونهاية.

ومعنى القصة لا يقوم أو يتضح في جزء من أجزائها دون الأجزاء الأخرى وإلاّ كان هذا المعنى دخيلاً على الحدث كما رأينا في قصة "موم" لأن أركان الحدث الثلاثة وهي الحوادث والشخصيات والمعنى وحدة لا تتجزأ، يساند كل منها الآخر ويقوم على خدمته. ولذلك فالمعنى ينبغي أن يوجد في جميع مراحل القصة من بداية الحدث إلى نهايته.

ولكي ندرك ما نعني بذلك دعونا نقرأ القصة التالية للكاتبة الإنجليزية "كاترين مانسفيلد" بعنوان "سعادة".. والتي سأطرحها خلال أيام إن شاء الله.

آملاً أن تكونوا قد استفدتم من هذا الجهد المتواضع.
أم مالك الأزدية
نظراً لطول القصة فقد آثرت أن أقسمها الى أجزاء وإليكم الجزء الأول:

"سعادة"

"كاترين مانسفيلد"


بالرغم من أن "بيرتايونج" كانت في الثلاثين من عمرها فما زالت تعاودها لحظات مثل هذه اللحظة، لحظات تود فيها لو استطاعت أن تجري بدلاً من أن تمشي وأن تقفز من على الرصيف وأن ترمي بشيء في الهواء وتلتقطه، وأن تقف وتضحك ... على ماذا؟ على لا شيء، لاشيء على الإطلاق.

وماذا عساك أن تفعل إذا كنت في الثلاثين من عمرك وشعرت فجأة وأن تقف تجاه بيتك بشعور من السعادة يتملكك، سعادة غامرة، كما لو كنت قد اختزنت في جسدك قطعة مشرقة من شمس ذلك الأصيل، قطعة تتأجج في صدرك وترسل بومضاتها إلى كل ذرة من جسمك؟

آه أليس هناك من وسيلة للتعبير عن مثل هذا الشعور دون أن يتهمك الناس بأنك مخمور أو مجنون؟ يا لهذه المدنية الحمقاء!

وقالت "بيرتا" "لماري" عندما فتحت لها الباب:

- هل عادت المربيّة:
- نعم سيدتي.
- وهل أتت الفاكهة؟
- نعم يا سيدتي، كل شيء معد.
- احضري الفاكهة إلى غرفة المائدة. سأرتبها قبل أن أصعد إلى الدور الثاني.

وكان حجرة المائدة معتمة وباردة. ولكن "بارتا" خلعت معطفها رغم ذلك، ضاقت بضغطة على جسمها. ومس الهواء البارد ذراعيها.

ولكن في صدرها ما زالت تتأجج تلك الجمرة الملتهبة وترسل بومضاتها، إنها لا تكاد تتحملها، تخشى أن تتنفس حتى لا تزداد اشتعالاً ومع ذلك تنفست تنفساً عميقاً، وتخشى أن تنظر في المرآة الباردة ومع ذلك نظرت، وعكست المرآة إمرأة متألقة بشفتين مبتسمتين، شفتين مرتجفتين وعينين سوداوتين كبيرتين. إمرأة تنصت إلى شيء ما وتنتظر شيئاً رائعاً ... تعرف أنه سيحدث .. حتماً.

وأحضرت "ماري" الفاكهة على صينية ومعها إناء بلوري وصحن أزرق اختلطت زرقته بالبياض وكأنه قد غمس في اللبن.

- هل أضيء النور يا سيدتي؟
- لا، أشكرك، إني أستطيع أن أرى بوضوح.

وكان من بين الفاكهة يوسفي وتفاح تشرب لونه بلون الفراولة الوردي وكمثرى ذهبية ناعمة كالحرير، وعنب أبيض يتألق كالفضة، وعنقود من العنب الوردي اشترته خصيصاً ليتمشى مع لون السجاد في حجرة المائدة، وقد يبدو هذا مضحكاً ولكنها في الواقع اشترته لهذا الهدف.

وعندما فرغت من ترتيب الفاكهة في هرمين كبيرين، تراجعت بعيداً عن المائدة لترى المنظر العام، وكان المنظر غريباً للغاية. بدت المائدة الداكنة اللون وكأنها قد ذابت في العتمة، وبدا الإناء البلوري والصحن الأزرق، وكأنما يسبحان في الهواء، وكان من الطبيعي أن يبدو لها كل ذلك، في حالتها النفسية الراهنة، رائعاً روعة لا يكاد يصدقها الخيال. وابتدأت تضحك، وقالت وهي تمسك بحقيبتها ومعطفها "لا .. لا، لا شك أني سأصاب بالهستريا". وجرت إلى الدور الثني إلى حجرة ابنتها الصغيرة.

جلست المربية على كرسي واطئ وهي تطعم الطفلة عقب أن أخذت حمامها، وكانت الطفلة ترتدي فستاناً أبيض "وجاكت" من الصوف الأزرق، وعندما تطلعت إلى الباب ورأت أمها بدأت تقفز.

وقالت المربية:

والآن يا طلفلتي العزيزة، اهدئي قليلاً وتناولي طعامك.

قالت المربية ذلك وضمت شفتيها بطريقة فهمت منها برتا أنها دخلت لحجرة ابنتها في وقت غير مناسب.

وقالت برتا:

- أرجو أن لا تكون الطفلة قد أتعبتك في نزهة العصر. وهمست المربية

- لقد كانت لطيفة للغاية، ذهبنا إلى الحديقة وجلست في كرسي وأخرجتها من العربة وجاء كلب كبير ووضع رأسه على حجري وبدأت هي تلعب في أذنه وتلويها.

وأرادت برتا أن تسأل المربية ألم يكن من الخطورة السماح لطفلة بمعاكسة كلب غريب، ولكنها لم تجرؤ على توجيه هذا السؤال ووقفت ترقب المربية والطفلة معاً. وقفت ترقبهما ويداها إلى جانبها كطفلة فقيرة ترقب طفلة غنية وهي تلعب بعروس.

وتطلعت إليها الطفلة مرة ثانية وحدقت فيها النظر وابتسمت بطريقة ساحرة جعلت برتا تصيح:

- أرجوك يا ناني. دعيني أكمل إطعامها، بينما تفرغين أنت من تنظيف الحمام.

وقالت المربية وهي ما تزال تهمس:

- أنت تدركين يا سيدتي أن الشخص الذي يطعم الطفلة لا ينبغي أن يتغير، وأن التغير قد يحدث له شعوراً بعدم الاستقرار وربما يثيرها. أليس هذا مضحكاً؟ وما فائدة إنجاب طفلة إذا كان ولا بد أن تبقى الطفلة دائماً في ذراعي امرأة أخرى؟

وقالت بيرتا:

- أرجوك لا بد لي من إطعامها.

وفي غضب تخلت المربية عن الطفلة وهي تقول:

- والآن لا تثيريها بعد العشاء، فأنت تفعلين ذلك دائماً وأعاني أنا بعد ذلك وقتاً طويلاً.

الحمد لله. لقد خرجت المربية إلى الحمام.

وقالت برتا والطفلة تستند إليها.

- والآن يا حبيبتي الغالية أنت لي.

وبدأت الطفلة تأكل، وعندما فرغ الحساء استدارت برتا إلى المدفأة وقالت: أنت لطيفة جداً وأنا أحبك.

وفي الواقع كانت برتا تحب الطفلة حباً شديداً. تحبها إلى حد أعاد إليها شعورها بالسعادة، ومرة أخرى عجزت عن التعبير عن ذلك الشعور ولم تعرف ماذا تفعل به.

وقالت المربية وقد عادت بانتصار وأمسكت بطفلتها:

- مكالمة تليفونية لك يا سيدتي.

وجرت برتا إلى التليفون ... كان هاري ....

- أهذا أنت يا برتا؟ سأتأخر قليلاً، سآخذ تاكسي وأحضر سريعاً ولكن أخري العشاء عشرة دقائق. اتفقنا

- اتفقنا ... أوه هاري.

ماذا تريد أن تقول؟ لم يكن لديها ما تقوله ولكنها أرادت أن تطيل الاتصال به دقيقة أخرى، لم تكن تستطيع أن تصيح كالحمقاء، ألم يكن يوماً رائعاً؟ وقال هاري

- ماذا تريدين؟

وقالت "برتا"

- لا شيء .. ووضعت سماعة التليفون وهي تشتم قيود المدنية التي تحول بينها وبين التعبير عن مشاعرها.
بن محارب
كل الامثلة لخواجات وش ذا الكاتب ..
نبي لحمده وغزيل والعنود وراجي وجهز وعثمان ..

لكن الصورة اتضحت

تحاياي
أم جود
الموضوع رائع للطرح ولكن ليس هناك أمثلة عربية؟؟؟
ام الولاد
جزاك الله خيرا اختى أم مالك
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.