بســم الله الـرحمــن الرحيــم
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
موضوع مهم وهادف ومفيد
أحببت جلبه لكم لنستفيد مما فيه
للكاتب / حسن خليل
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
موضوعنا هو فن القصة القصيرة
القصة القصيرة ليست مجرد قصة تقع في صفحات قلائل بل هي لون من ألوان الأدب الحديث ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وله خصائص ومميزات شكلية معينة.
الحلقة الأولى:
الخبر والقصة
من المعروف أن القصة تروي خبراً ولكن لا يمكن أن نعتبر كل خبر أو مجموعة من الأخبار قصة .. فلأجل أن يصبح الخبر قصة يجب أن تتوفر فيه خصائص معينة أولها أن يكون له أثر كلي. ولكي نفهم ما نعني بالأثر الكلي دعنا نقرأ المقتطف التالي من خطاب "لليدي ماري مونتاجيو":
"أظن أن هذه هي المرة الأولى التي تأخرت فيها في الكتابة إليك، وقد تعجب إذا عرفت أن تأخيري جاء نتيجة لانشغالي إنشغالاً كلياً. فأنا أقضي ساعات طويلة في ركوب الخيل وصيد الغزال وقد حققت في هذا المضمار مهارة عظيمة جعلتني شديدة الرضا عن نفسي ..
وصاحب السمو الملكي يصيد في "ريتشموند بارك" وأنا من ضمن رفاقه في الصيد، ولعلك بعد ذلك لا تقول إني امرأة عجوز. وقد عاد اللورد بولينجبروك إلى انجلترا، وأغرب الأنباء هنا هي مغازلة اللورد بانهرست للأميرات مما أثار التخمينات في المجتمعات ولكني أنا التي لا يغيب عني شيء أعتقد أن هناك علاقة أكيدة بي اللورد بانهرست ومسز هوارد".
في هذا الخطاب تقص الليدي ماري مونتاجيو عدة أنباء فهي تخبرنا أنها جد مشغولة وأنها تقضي ساعات طويلة في ركوب الخيل وصيد الغزلان وأنها راضية لذلك عن نفسها، ونحن نعلم أيضاً أن ولي العهد يصيد في "ريتشموند بارك" وأن اللورد "بولينجبروك" قد عاد إلى انجلترا وأن "الليدي ماري مونتاجيو" تعتقد أن هناك علاقة بين لورد بانهرست ومسز هوارد. والواقع أن الخطاب مليء بالأخبار، ولكنها رويت بحيث جاء كل خبر منها منفصلاً عن الآخر لا يرتبط به بعلاقة. ومما لا شك فيه أن كل خبر في هذا الخطاب يزودنا بقسط من المعلومات - أي أن لكل خبر معنى .. ولكن هذه الأخبار مجتمعة كما جاءت في الخطاب ليس لها معنى واحداً ولذلك فلا يمكن أن يكون لها أثراً كلياً.
دعنا الآن نقرأ هذا المقتطف من كتاب عن حياة الشاعر "دانتي":
"من المحقق أن سيدة تسمى مادونا بياتريس عاشت فعلاً في فلورنس في عصر دانتي، وكانت تنتمي إلى عائلة فلورنسية تدعى عائلة بوتيناري - وقد عرف عن هذه السيدة الجمال وحسن الخلق ... وأعجب بها دانتي وأحبها ونظم الأغاني في مدحها. وبعد موتها أراد أن يعلي اسمها ومن ثم ظهرت عدة مرات في قصيدته الكبيرة الكوميديا الالهية".
هذا المقتطف أيضاً مليء بالأخبار ... فالكاتب يخبرنا أن سيدة تسمى بياتريس عاشت في فلورنس في عصر دانتي، وأنها كانت جميلة، تنتمي إلى أسرة فلورنسية، وأن دانتي أحبها ولذلك نظم فيها الأغاني في حياتها، وأعلى اسمها بعد مماتها في شعره ... ولو أنك أخذت كل خبر في هذه الأخبار على حدة لما وجدت له معنى. فمثلاً لو أنك قلت إن سيدة تدعى "بياتريس" عاشت في "فلورنس" لما كان لذلك معنى مستقلاً ولو أنك قلت إن سيدة تدعى "بياتريس" كانت جميلة لما كان لذلك معنى في ذاته أيضاً وبالمثل لو قلت إن سيدة تدعى بياتريس كانت تنتمي إلى عائلة فلورنسية ولكنك لو قلت:
إن سيدة تدعى "بياتريس" عاشت في "فلورنس" وأنها كانت تنتمي إلى عائلة "فلورنسية" كانت جميلة وأن "دانتي" أحبها ونظم الشعر فيها إلى آخر ما في المقتطف لوجدت أن هذه الأخبار في مجموعها تعني شيئاً، إذ أن الكاتب قد رواها بحيث يرتبط كل خبر منها بغيره من الأخبار فيكون لمجموعها معنى وبذلك يمكن أن نقول إن لها أثراً كلياً.
وهذا هو أول مستلزمات القصة: أي أن الخبر الذي ترويه يجب أن تتصل تفاصيله أو أجزاؤه بعضها مع البعض بحيث يكون لمجموعها أثراً أو معنى كلياً.
ولكن الأثر أو المعنى الكلي لا يكفي وحده لكي يجعل من الخبر قصة .. فلكي يروي الخبر قصة يجب أن يتوفر فيه شرط آخر ... وهو أن يكون للخبر بداية ووسط ونهاية، أي أن يصوّر ما نسميه "بالحدث".
ولأجل أن نفهم ما نعني بالحدث دعنا نقرأ المقتطف التالي من كتاب عن حياة الرعاة في انجلترا.
"عندما خيم الظلام خرج "بيتر" مع كلبه فوجد الغزلان ما زالت ترعى على الربوة. وتسلل بخفة خلف الأجمة حتى واجهته الربوة وخلف قمتها السماء مليئة بالنجوم واتضحت أما عينيه وهو يتقدم أجسام الغزلان برؤوسها المنحنية، وتراجع قليلاً ثم اختفى في خندق وراء حائط وبدأ يتقدم من جديد. وكانت خطته تنحصر في إثارة خوف الغزلان حتى إذا ما تفرقت في طريقها إلى الغابة مرت به واصطاد إحداها ...
ولم تسمع الغزلان وقع أقدامه حتى أصبح على مبعدة ستين ياردة منها فقفزت عبر الخندق متفرقة في اتجاهات مختلفة ولم يمر في اتجاه الغابة إلا غزال واحد، وراء هذا الغزال أرسل "بيتر" كلبه ..
ومرق الكلب كما يمرق السهم من القوس و "بيتر"، يجري وراءه كما لم يجر من قبل حياته .. ولفترة قصيرة ظهر الغزال على الثلج والكلب يطارده مطاردة حامية، ثم ابتلعهما الظلام، ولكن في أقل من نصف دقيقة وصل إلى مسمع "بيتر" صرخة طويلة باكية لغزال في محنة .. وكان الكلب قد أمسك صيده من إحدى ساقيه الأماميتين فوق الحافر بقليل وشدد قبضته عليها، وكانا يكافحان على الثلج عندما وصل "بيتر" وألقى" بنفسه على ضحيته وغرز سكينة في القصبة الهوائية للغزال، وبعد أن قتله ألقاه على ظهره وعاد إلى البيت لا عبر البوابة ولا الطريق العام وإنما عبر الحقول والأدغال حتى وصل إلى الجهة الخلفية لكوخ أمه. ولم يكن بتلك الجهة باب ولكن كان لها نافذة، وعندما فزعها وفتحتها أمه دفع بالغزال داخل البيت دون أن ينطق بكلمة ثم استدار إلى واجهة البيت ودخل من الباب.
إن الخبر الذي يحتويه هذا المقتطف يختلف عن الخبر السابق، الذي أفدنا منه الشاعر دانتي أحب فتاة فلورنسية تدعى بياتريس وأنها كانت جميلة وأنه نظم الشعر فيها، فهذا مجرد خبر يزودنا بالمعلومات كالأخبار التي نسمعها أو نقرؤها في الصحف. أما خبر اصطياد "بيتر" للغزال فلا يقتصر على تزويدنا بالمعلومات إذ أنه يهدف إلى غرض آخر وهو أن يصوّر حدثا ..
ولو أننا دققنا النظر في هذا الحدث لوجدناه يتكون - كل حدث آخر - من مراحل ثلاث: المرحلة الأولى وهي البداية. والمرحلة الثانية وهي الوسط والمرحلة الثالثة وهي النهاية ..
ففي المرحلة الأولى وهي البداية، أو كما يسميها بعض النقاد الموقف، عرفنا أن الوقت كان ليلاً وأن الغزلان كانت ترعى على الربوة وأن "بيتر" خرج مع كلبه للصيد، أي أنه في هذه المرحلة اجتمعت كل القوى أو العوامل التي ترتب على وجودها معاً موقف معين نشأ منه الحدث.
وتلي ذلك المرحلة الثانية التي نسميها الوسط، وهي تنمو حتماً وبالضرورة من الموقف أو البداية وتتطور إلى سلسلة من النقاط تمثل تعقيداً أو تشابكاً متزايداً بين العوامل أو القوى التي يحتويها الموقف. "فبيتر" يتسلل خلف الأجمة، ثم يتراجع، ثم يتربص في الخندق ثم يتقدم من جديد خلف الحائط، وتسمعه الغزلان فتقفز في اتجاهات مختلفة ويتجه واحد منها إلى الغابة ويلاحقه الكلب وينقض عليه ويمسك بساقه الأمامية إلى أن يأتي "بيتر" فيلقي بنفسه على ضحيته ويغرز سكينة في رقبتها وهكذا يقتل الغزال. ولكن الحدث لا ينتهي هنا ... فبعد أن يقتل "بيتر" الغزال يخبرنا الكاتب أنه يحمله على ظهره ويسير به عبر الحقول والأدغال حتى يصل إلى الجانب الخلفي لكوخ أمه فيقرع نافذة وتفتحها أمه فيدفع بالغزال إلى داخل البيت ثم يستدير إلى واجهة البيت ويدخل من الباب، وهذه هي المرحلة الثالثة أو النهاية وفيها تتجمع كل القوى التي احتواها الموقف أو البداية في نقطة واحدة يتحقق بها الاكتمال للحدث ..
فلو أن الكاتب قد توقف عند النقطة التي قتل فيها "بيتر" الغزال في الغابة لما كان للحدث معنى بل لما كان له وجود فلم يخرج "بيتر" لمجرد قتل الغزال وإنما خرج ليصيده ويعود به إلى البيت ولذلك فإن الحدث ينتهي أو يتكامل عندما يحقق "بيتر" ذلك، عندما يقرع النافذة وتفتحها أمه ويدفع بالغزال إلى داخل البيت ثم يستدير ليدخل هو من الباب، فهذه النقطة بالذات هي السبب في وجود الحدث في الأصل، ولذلك نرى أن كل العوامل التي تجمعت في البداية والتي نشأ عنها موقف معين نما منه الحدث وتطور في الوسط تنتهي بالضرورة إلى هذه النقطة ... وهي النقطة التي يكتسب بها الحدث معناه، ولهذا السبب اصطلح بعض النقاد على تسمية هذه النقطة - وهي التي تمثل نهاية الحدث - بنقطة التنوير ..
يتضح من تحليل المقتطفات الثلاث أن ليس كل خبر يروى قصة. فمن الأخبار ما يمكن أن توضع جنباً إلى جنب (كما في خطاب ليدي منتاجيو) ومع ذلك تظل مجموعة أخبار متفرقة لا تنتج أثراً كلياً - ومن الأخبار ما توضع جنباً إلى جنب (كما في المقتطف عن بياتريس ودانتي) فتنتج أثراً كلياً ومع ذلك تظل مجرد خبر يزودنا بالمعلومات ولكنه لا يروي قصة.
فلقد اتضح لنا أنه لكي يروى الخبر (كقصة اصطياد بيتر للغزال) لا يكفي أن يكون الخبر ذا أثر كلي بل يجب أن يصوّر حدثاً له بداية ووسط ونهاية - أي أنه ينشأ بالضرورة عن موقف معين ويتطور وينمو بالضرورة إلى نقطة معينة.
والفرق بين الخبر الذي يقتصر على تزويدنا بالمعلومات والخبر الذي يصوّر حدثاً هو الفرق بين مجرد الخبر وبين القصة. ولقد يظن البعض أن الفرق بين الخبر والقصة أن الخبر مستمد من الحقيقة وأن القصة من نسيج الخيال، ولكن هذا غير صحيح. فقصة اصطياد (بيتر) للغزال قصة حقيقية حدثت بالفعل ولا أثر للخيال فيها ومع ذلك فقد تحققت لها مقومات القصة لأنها تصوّر حدثاً في حين أن الكثير من القصص أو الحكايات التي تنسجها أخيلة الكتّاب ليست في الواقع قصصاً على الإطلاق، وإنما هي مجرد أخبار تزودنا بالمعلومات ولكنها لا تصوّر حدثاً له بداية ووسط ونهاية.
ولقد يظن البعض أن كل حكاية تنشر أو تروى لا بد وأن لها بداية ووسط ونهاية وإنها بناءً على ذلك لا بد وأن تصوّر حدثاً، أي أنها قصة، ولكن هذا غير الواقع، فالكثير مما ينشر على أنه قصص ليس قصصاً على الإطلاق، بل مجرد أخبار، وهذه الأخبار التي يكتبها الكتّاب وينشرونها على الناس متنكرة في زي قصص كثيرة، بل إن الصحف والمجلات مليئة بها
للموضوع بقية.
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
موضوع مهم وهادف ومفيد
أحببت جلبه لكم لنستفيد مما فيه
للكاتب / حسن خليل
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
موضوعنا هو فن القصة القصيرة
القصة القصيرة ليست مجرد قصة تقع في صفحات قلائل بل هي لون من ألوان الأدب الحديث ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وله خصائص ومميزات شكلية معينة.
الحلقة الأولى:
الخبر والقصة
من المعروف أن القصة تروي خبراً ولكن لا يمكن أن نعتبر كل خبر أو مجموعة من الأخبار قصة .. فلأجل أن يصبح الخبر قصة يجب أن تتوفر فيه خصائص معينة أولها أن يكون له أثر كلي. ولكي نفهم ما نعني بالأثر الكلي دعنا نقرأ المقتطف التالي من خطاب "لليدي ماري مونتاجيو":
"أظن أن هذه هي المرة الأولى التي تأخرت فيها في الكتابة إليك، وقد تعجب إذا عرفت أن تأخيري جاء نتيجة لانشغالي إنشغالاً كلياً. فأنا أقضي ساعات طويلة في ركوب الخيل وصيد الغزال وقد حققت في هذا المضمار مهارة عظيمة جعلتني شديدة الرضا عن نفسي ..
وصاحب السمو الملكي يصيد في "ريتشموند بارك" وأنا من ضمن رفاقه في الصيد، ولعلك بعد ذلك لا تقول إني امرأة عجوز. وقد عاد اللورد بولينجبروك إلى انجلترا، وأغرب الأنباء هنا هي مغازلة اللورد بانهرست للأميرات مما أثار التخمينات في المجتمعات ولكني أنا التي لا يغيب عني شيء أعتقد أن هناك علاقة أكيدة بي اللورد بانهرست ومسز هوارد".
في هذا الخطاب تقص الليدي ماري مونتاجيو عدة أنباء فهي تخبرنا أنها جد مشغولة وأنها تقضي ساعات طويلة في ركوب الخيل وصيد الغزلان وأنها راضية لذلك عن نفسها، ونحن نعلم أيضاً أن ولي العهد يصيد في "ريتشموند بارك" وأن اللورد "بولينجبروك" قد عاد إلى انجلترا وأن "الليدي ماري مونتاجيو" تعتقد أن هناك علاقة بين لورد بانهرست ومسز هوارد. والواقع أن الخطاب مليء بالأخبار، ولكنها رويت بحيث جاء كل خبر منها منفصلاً عن الآخر لا يرتبط به بعلاقة. ومما لا شك فيه أن كل خبر في هذا الخطاب يزودنا بقسط من المعلومات - أي أن لكل خبر معنى .. ولكن هذه الأخبار مجتمعة كما جاءت في الخطاب ليس لها معنى واحداً ولذلك فلا يمكن أن يكون لها أثراً كلياً.
دعنا الآن نقرأ هذا المقتطف من كتاب عن حياة الشاعر "دانتي":
"من المحقق أن سيدة تسمى مادونا بياتريس عاشت فعلاً في فلورنس في عصر دانتي، وكانت تنتمي إلى عائلة فلورنسية تدعى عائلة بوتيناري - وقد عرف عن هذه السيدة الجمال وحسن الخلق ... وأعجب بها دانتي وأحبها ونظم الأغاني في مدحها. وبعد موتها أراد أن يعلي اسمها ومن ثم ظهرت عدة مرات في قصيدته الكبيرة الكوميديا الالهية".
هذا المقتطف أيضاً مليء بالأخبار ... فالكاتب يخبرنا أن سيدة تسمى بياتريس عاشت في فلورنس في عصر دانتي، وأنها كانت جميلة، تنتمي إلى أسرة فلورنسية، وأن دانتي أحبها ولذلك نظم فيها الأغاني في حياتها، وأعلى اسمها بعد مماتها في شعره ... ولو أنك أخذت كل خبر في هذه الأخبار على حدة لما وجدت له معنى. فمثلاً لو أنك قلت إن سيدة تدعى "بياتريس" عاشت في "فلورنس" لما كان لذلك معنى مستقلاً ولو أنك قلت إن سيدة تدعى "بياتريس" كانت جميلة لما كان لذلك معنى في ذاته أيضاً وبالمثل لو قلت إن سيدة تدعى بياتريس كانت تنتمي إلى عائلة فلورنسية ولكنك لو قلت:
إن سيدة تدعى "بياتريس" عاشت في "فلورنس" وأنها كانت تنتمي إلى عائلة "فلورنسية" كانت جميلة وأن "دانتي" أحبها ونظم الشعر فيها إلى آخر ما في المقتطف لوجدت أن هذه الأخبار في مجموعها تعني شيئاً، إذ أن الكاتب قد رواها بحيث يرتبط كل خبر منها بغيره من الأخبار فيكون لمجموعها معنى وبذلك يمكن أن نقول إن لها أثراً كلياً.
وهذا هو أول مستلزمات القصة: أي أن الخبر الذي ترويه يجب أن تتصل تفاصيله أو أجزاؤه بعضها مع البعض بحيث يكون لمجموعها أثراً أو معنى كلياً.
ولكن الأثر أو المعنى الكلي لا يكفي وحده لكي يجعل من الخبر قصة .. فلكي يروي الخبر قصة يجب أن يتوفر فيه شرط آخر ... وهو أن يكون للخبر بداية ووسط ونهاية، أي أن يصوّر ما نسميه "بالحدث".
ولأجل أن نفهم ما نعني بالحدث دعنا نقرأ المقتطف التالي من كتاب عن حياة الرعاة في انجلترا.
"عندما خيم الظلام خرج "بيتر" مع كلبه فوجد الغزلان ما زالت ترعى على الربوة. وتسلل بخفة خلف الأجمة حتى واجهته الربوة وخلف قمتها السماء مليئة بالنجوم واتضحت أما عينيه وهو يتقدم أجسام الغزلان برؤوسها المنحنية، وتراجع قليلاً ثم اختفى في خندق وراء حائط وبدأ يتقدم من جديد. وكانت خطته تنحصر في إثارة خوف الغزلان حتى إذا ما تفرقت في طريقها إلى الغابة مرت به واصطاد إحداها ...
ولم تسمع الغزلان وقع أقدامه حتى أصبح على مبعدة ستين ياردة منها فقفزت عبر الخندق متفرقة في اتجاهات مختلفة ولم يمر في اتجاه الغابة إلا غزال واحد، وراء هذا الغزال أرسل "بيتر" كلبه ..
ومرق الكلب كما يمرق السهم من القوس و "بيتر"، يجري وراءه كما لم يجر من قبل حياته .. ولفترة قصيرة ظهر الغزال على الثلج والكلب يطارده مطاردة حامية، ثم ابتلعهما الظلام، ولكن في أقل من نصف دقيقة وصل إلى مسمع "بيتر" صرخة طويلة باكية لغزال في محنة .. وكان الكلب قد أمسك صيده من إحدى ساقيه الأماميتين فوق الحافر بقليل وشدد قبضته عليها، وكانا يكافحان على الثلج عندما وصل "بيتر" وألقى" بنفسه على ضحيته وغرز سكينة في القصبة الهوائية للغزال، وبعد أن قتله ألقاه على ظهره وعاد إلى البيت لا عبر البوابة ولا الطريق العام وإنما عبر الحقول والأدغال حتى وصل إلى الجهة الخلفية لكوخ أمه. ولم يكن بتلك الجهة باب ولكن كان لها نافذة، وعندما فزعها وفتحتها أمه دفع بالغزال داخل البيت دون أن ينطق بكلمة ثم استدار إلى واجهة البيت ودخل من الباب.
إن الخبر الذي يحتويه هذا المقتطف يختلف عن الخبر السابق، الذي أفدنا منه الشاعر دانتي أحب فتاة فلورنسية تدعى بياتريس وأنها كانت جميلة وأنه نظم الشعر فيها، فهذا مجرد خبر يزودنا بالمعلومات كالأخبار التي نسمعها أو نقرؤها في الصحف. أما خبر اصطياد "بيتر" للغزال فلا يقتصر على تزويدنا بالمعلومات إذ أنه يهدف إلى غرض آخر وهو أن يصوّر حدثا ..
ولو أننا دققنا النظر في هذا الحدث لوجدناه يتكون - كل حدث آخر - من مراحل ثلاث: المرحلة الأولى وهي البداية. والمرحلة الثانية وهي الوسط والمرحلة الثالثة وهي النهاية ..
ففي المرحلة الأولى وهي البداية، أو كما يسميها بعض النقاد الموقف، عرفنا أن الوقت كان ليلاً وأن الغزلان كانت ترعى على الربوة وأن "بيتر" خرج مع كلبه للصيد، أي أنه في هذه المرحلة اجتمعت كل القوى أو العوامل التي ترتب على وجودها معاً موقف معين نشأ منه الحدث.
وتلي ذلك المرحلة الثانية التي نسميها الوسط، وهي تنمو حتماً وبالضرورة من الموقف أو البداية وتتطور إلى سلسلة من النقاط تمثل تعقيداً أو تشابكاً متزايداً بين العوامل أو القوى التي يحتويها الموقف. "فبيتر" يتسلل خلف الأجمة، ثم يتراجع، ثم يتربص في الخندق ثم يتقدم من جديد خلف الحائط، وتسمعه الغزلان فتقفز في اتجاهات مختلفة ويتجه واحد منها إلى الغابة ويلاحقه الكلب وينقض عليه ويمسك بساقه الأمامية إلى أن يأتي "بيتر" فيلقي بنفسه على ضحيته ويغرز سكينة في رقبتها وهكذا يقتل الغزال. ولكن الحدث لا ينتهي هنا ... فبعد أن يقتل "بيتر" الغزال يخبرنا الكاتب أنه يحمله على ظهره ويسير به عبر الحقول والأدغال حتى يصل إلى الجانب الخلفي لكوخ أمه فيقرع نافذة وتفتحها أمه فيدفع بالغزال إلى داخل البيت ثم يستدير إلى واجهة البيت ويدخل من الباب، وهذه هي المرحلة الثالثة أو النهاية وفيها تتجمع كل القوى التي احتواها الموقف أو البداية في نقطة واحدة يتحقق بها الاكتمال للحدث ..
فلو أن الكاتب قد توقف عند النقطة التي قتل فيها "بيتر" الغزال في الغابة لما كان للحدث معنى بل لما كان له وجود فلم يخرج "بيتر" لمجرد قتل الغزال وإنما خرج ليصيده ويعود به إلى البيت ولذلك فإن الحدث ينتهي أو يتكامل عندما يحقق "بيتر" ذلك، عندما يقرع النافذة وتفتحها أمه ويدفع بالغزال إلى داخل البيت ثم يستدير ليدخل هو من الباب، فهذه النقطة بالذات هي السبب في وجود الحدث في الأصل، ولذلك نرى أن كل العوامل التي تجمعت في البداية والتي نشأ عنها موقف معين نما منه الحدث وتطور في الوسط تنتهي بالضرورة إلى هذه النقطة ... وهي النقطة التي يكتسب بها الحدث معناه، ولهذا السبب اصطلح بعض النقاد على تسمية هذه النقطة - وهي التي تمثل نهاية الحدث - بنقطة التنوير ..
يتضح من تحليل المقتطفات الثلاث أن ليس كل خبر يروى قصة. فمن الأخبار ما يمكن أن توضع جنباً إلى جنب (كما في خطاب ليدي منتاجيو) ومع ذلك تظل مجموعة أخبار متفرقة لا تنتج أثراً كلياً - ومن الأخبار ما توضع جنباً إلى جنب (كما في المقتطف عن بياتريس ودانتي) فتنتج أثراً كلياً ومع ذلك تظل مجرد خبر يزودنا بالمعلومات ولكنه لا يروي قصة.
فلقد اتضح لنا أنه لكي يروى الخبر (كقصة اصطياد بيتر للغزال) لا يكفي أن يكون الخبر ذا أثر كلي بل يجب أن يصوّر حدثاً له بداية ووسط ونهاية - أي أنه ينشأ بالضرورة عن موقف معين ويتطور وينمو بالضرورة إلى نقطة معينة.
والفرق بين الخبر الذي يقتصر على تزويدنا بالمعلومات والخبر الذي يصوّر حدثاً هو الفرق بين مجرد الخبر وبين القصة. ولقد يظن البعض أن الفرق بين الخبر والقصة أن الخبر مستمد من الحقيقة وأن القصة من نسيج الخيال، ولكن هذا غير صحيح. فقصة اصطياد (بيتر) للغزال قصة حقيقية حدثت بالفعل ولا أثر للخيال فيها ومع ذلك فقد تحققت لها مقومات القصة لأنها تصوّر حدثاً في حين أن الكثير من القصص أو الحكايات التي تنسجها أخيلة الكتّاب ليست في الواقع قصصاً على الإطلاق، وإنما هي مجرد أخبار تزودنا بالمعلومات ولكنها لا تصوّر حدثاً له بداية ووسط ونهاية.
ولقد يظن البعض أن كل حكاية تنشر أو تروى لا بد وأن لها بداية ووسط ونهاية وإنها بناءً على ذلك لا بد وأن تصوّر حدثاً، أي أنها قصة، ولكن هذا غير الواقع، فالكثير مما ينشر على أنه قصص ليس قصصاً على الإطلاق، بل مجرد أخبار، وهذه الأخبار التي يكتبها الكتّاب وينشرونها على الناس متنكرة في زي قصص كثيرة، بل إن الصحف والمجلات مليئة بها
للموضوع بقية.