تمرد الطلاب أزمة كل المدارس
عندما نظم أمير الشعراء أحمد شوقي بيته الشعري الشهير “قم للمعلم وفه التجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا” كان يؤرخ للعلاقة التي تربط المعلم بطالبه وهي التي كانت في ذاك الوقت قائمة على التقدير والاحترام ليس من جانب الطالب وحده، بل المعلم أيضاً وهو الذي كان يقدر تلميذه ويحترمه ويعامله كرجل قادر على تحمل المسؤولية.

هذه الصورة التربوية تبدلت وتراجعت كما تراجعت قيم عديدة، وباتت العلاقة بين قطبي العملية التعليمية اشبه بعلاقة الند للند، أو القط والفأر كلاهما يتصيد للآخر الأخطاء.

هذا الواقع التربوي المؤلم افرز مناخاً تعليمياً يعاني من مشاكل وأزمات لا حصر لها إذا كانت تلقي نتائجها السلبية على التعليم الذي يتدهور ويسير الى الوراء فالعواقب الوخيمة تلقي بظلالها جراء ذلك على الأسرة والمجتمع.

ومن بين ما يعانيه الميدان التربوي حالياً تجرؤ الطلاب واطلاق مسميات على أساتذتهم للسخرية منهم، واصرار البعض على حمل الممنوعات داخل الحرم المدرسي لإعلان تمردهم على المدرسة والأساتذة ومن بين ما يحملون الهواتف النقالة والسجائر، وغيرها من المحظورات. وإذا كان الطالب يعد المتهم الأول في معظم هذه المشاكل، فالواقع التربوي يلقي باللوم أولاً على المعلم الذي فرط الى حد كبير في شخصيته القوية ووقاره الذي كان معروفاً به، وثانياً المدارس الخاصة التي باتت ترفع شعار “الزبون دائماً على حق”، والكارثة أن هذا الزبون هو الذي يدفع الثمن من مستقبله.

العملية التعليمية الحالية اختلفت عن الأمس في كل شيء خاصة في سلوكيات الطلبة أو الجيل الحالي الذي يحمل صفات وتصرفات مختلفة عما سبقه من أجيال، ما دفع الجميع إلى التضامن مع مفهوم “التربية الحديثة”، إلا أن الاتفاق لم يتوحد على أسلوب تطبيقه وبات الجميع خبراء في التربية والتحليل.. ومن ابرز المشاكل التي توجد في أروقة المدارس على اختلاف مستوياتها التواصل الايجابي بين الطالب والمعلم، خاصة بعد دحض العبارات القديمة الرنانة التي كانت تقضي بأن (من علمني حرفاً صرت له عبداً)، حيث تساوت المستويات والأعمار والعقول وبات هناك من بين الطلبة من يعامل المعلم على أنه موظف لديه خاصة في المدارس الخاصة. وتأتي إشكالية إطلاق الألقاب على المدرسين لتزيد من الفجوة بين المعلم والطالب، كذلك استحدثت وسائل جديدة يستخدمها الطلبة للنيل او للانتقام، إذا صح التعبير، من المعلم الذي يخرج عن القاعدة. في التحقيق التالي نظرة على ألقاب المدرسين وبعض المقالب التي يتعرضون لها:

في البداية يشير ناصر احمد علي مدير مدرسة معاذ بن جبل في منطقة الشارقة التعليمية إلى أن العملية التعليمية لها الكثير من الايجابيات والسلبيات، ويقول: تختلف النتائج حسب نوع المدرسة إذا كانت حكومية أو خاصة، وأرى أن طلاب اليوم أصبحوا أكثر تعاونا وتحملا للمسؤولية، كذلك ازداد الترابط بين المدرسة والأهل الذين يحرص اغلبهم على متابعة أبنائهم في المدرسة من الناحية التعليمية والأخلاقية إلا أن التركيز غالبا ما يكون على الجزئية الأولى.

وحول كيفية امتصاص المعلم أو المدير لغضب الطالب أو لأسلوبه الخشن، يؤكد أن المشاكل تختلف من طالب لآخر، وبالتالي تحتاج إلى معالجة منفردة، ويمكن للمدرس أن يحتوي الطالب ويحاول حل مشكلته، أما إذا كانت المشكلة بين الطالب والمدرس ففي هذه الحالة يحول الموضوع إلى الأخصائي الاجتماعي الموجود بالمدرسة، وينوه إلى أن هناك مشكلات تحتاج إلى تدخل الأهل لمعرفة ملابساتها ومحاولة حلها، وعن أهم المشاكل التي تعاني منها المدرسة يوضح أن غياب الأهل عن التواصل مع المدرسة وتثبيت بعض المفاهيم الخاصة لدى الطلبة حول طريقة تعاملهم مع المدرسين.

وحول طريقة التعامل المثلي بين الطالب والمعلم يؤكد محمد عبدالعظيم مدرس كمبيوتر، أن المدرس الناجح يجب أن يحتوي الطلبة الذين يتعامل معهم على اختلاف مستوياتهم ومشكلاتهم.

ويضيف: من الشروط الأساسية التي يجب توفرها في المدرس هي قوة الشخصية والتمكن من المادة التي يقوم بتدريسها خاصة مادة الكمبيوتر التي تشهد إقبالا كبيرا من الشباب ورغبة اكبر في التعلم داخل المدرسة وخارجها وبالتالي يجب أن يحصن المعلم نفسه ضد أي سؤال من الطلبة حتى لا تهتز صورته أمام الطالب، وأن يضع في باله أن طلاب اليوم أذكياء جدا، وهو ما يجعلني شخصيا أحرص على متابعة أحدث التطورات في عالم الكمبيوتر والموبايل.

وحول أساليب تهرب الطلبة من العقاب أو الهروب من الدراسة يشير إلى أن اغلب الطلبة يلجأون إلى أسلوب الخروج المتكرر من الحصة، ويروي قصة احد الطلاب المشاغبين قائلاً: على مدى 11 سنة خبرة في التعليم أصبحت لدي خبرة في التعامل مع الأنواع المختلفة من الطلبة وأتذكر إحدى القصص التي حدثت معي حول محاولة احد الطلاب المشاغبين الاعتداء عليّ وهم بضربي ولكن لحسن الحظ انني ألعب كاراتيه فلم يستطع إيذائي، ويوضح أن الجيل الجديد لا ينجح معه العنف، بل يمكن أن يعاقبه المدرس بالدرجات أو بتجاهله، وينوه إلى أن ظاهرة إطلاق ألقاب معينة على الأساتذة موجودة بكثرة في المدارس منذ زمن بعيد، حيث يتم إطلاق لقب أو اسم معين على المدرس طبقا لشكله أو لشخصيته وهو نوع من التنفيس غير الظاهر بين الطلبة، وغالبا ما يتجاهل المدرس هذا اللقب ويبدي عدم ملاحظته.

عبد العزيز جمعة مدرس تربية رياضية يشير إلى أن الطلبة يلاحظون التفاصيل الدقيقة التي تصدر من المعلم سواء في طريقة الكلام أو في الحركة أو في تلازم بعض الجمل على لسانه، ويؤكد أن الطلبة يستغلون هذا الشيء ليطلقون لقباً على المعلم يعرفونه به حتى في وجوده دون أن يدري، ويضيف: من ضمن الألقاب التي مرت علي “كنتاكي” و”أبو الهنا” و”مظهر بك” وغيرها من الألقاب المتداولة، وحول الطريقة العنيفة التي يقدم عليها الطلبة كنوع من الحيل الدفاعية أو الانتقامية من المدرس، يشير عبدالعزيز إلى أن أساليب شد الكرسي أو المقالب التي يرتبها الطلبة ضد المدرس لم تعد موجودة الآن وحل محلها استخدام الوسائل الحديثة مثل الكمبيوتر وتركيب الصور والبلوتوث التجميلي الذي يقوم فيه الطالب بتركيب رأس على جسم آخر، كذلك تداول بعض الصور الغريبة للمدرسين ونشرها على المواقع الالكترونية بتعليقات ساخرة.

أحمد عبدالقادر مدرس لغة عربية يشير إلى أن صلاحيات المدرس تقل يوما بعد يوم، حيث لم يعد أمامه فرصة لعقاب الطالب سوى الدرجات المدرسية، وحول الحيل التي يلجأ إليها الطالب للاحتكاك بالمدرس أو لإثارته ينوه عبد القادر إلى أن إطلاق لقب على المدرس وإشاعة ذلك اللقب بين الطلبة من أكثر الأساليب السلمية التي يستخدمها الطلبة ضد المدرسين، ويضيف: يمكن أن ينطلق اللقب من شكله أو طريقة ملابسه والتي قد تتشابه مع احد الممثلين، وهناك لقب “مدفع”، و”مخاطرة” و”سكلانه”.

وينصح عبدالقادر المدرسين بتجاهل التعامل مع الطلبة أو إظهار انه على علم بهذا اللقب حتى لا يستغل الموضوع بطريقة خاطئة قد تؤدي إلى حدوث تصادم بين المدرس والطالب، خاصة إذا كان المدرس يتعامل مع طلبة في المرحلة الثانوية والتي تشكل الاندفاع في كل شيء. ويؤكد أن المدرس الذكي هو الذي يمتلك مناعة قوية ضد أي إثارة مهما كانت من الطلبة وان يظهر انه غير مبال بما يسمعه أو يراه.

وللطلبة رأي مختلف إذ يقول محمد درويش الطالب بالصف الثالث الثانوي شعبة أدبي: نحاول أن نخرج من الروتين المدرسي من خلال إطلاق لقب على المعلم، أو تغيير اسمه إلى اسم آخر يكون معروفاً لدى الطلبة فقط “اسم حركي”، كما نحاول أن يظل هذا الاسم مجهولاً بالنسبة للمدرس حتى لا يحتد علينا. وعن سبب اطلاق هذه الألقاب على المدرسين، يشير درويش إلى أن ذلك يكون مع المدرس ذي الشخصية الضعيفة، أو المدرس العصبي.

أما عبدالله علي الطالب بالمرحلة الثانوية، فيتفق مع زميله حول أسباب إطلاق الألقاب على المدرسين ويضيف: هناك بعض الطلبة الذين يحاولون الانتقام من المدرس من خلال إرسال رسائل بلوتوث له، أو من خلال إتلاف سيارته أو اعتراض طريقه، وعن أسلوب العقاب المستخدم حاليا في المدرسة ينوه إلى أن الضرب اختفى وحل محله العقاب بالدرجات أو العقاب بالتجاهل حيث يعامل المدرس الطلبة بمستوى أعلى من ذي قبل، ويوضح أن اغلب المدرسين أصبحوا على دراية بطبيعة المرحلة العمرية للطالب وخصوصيتها.

ويشير راشد محمد الطالب في القسم الأدبي بالمرحلة الثانوية إلى صعوبة تنظيم العلاقة بين الطالب والمدرس خاصة مع اختلاف شخصية كل مدرس عن الآخر، ويؤكد أن هناك مدرسين لا يستطيعون التحكم في أعصابهم ويحاولون استخدام أسلوب الاستهزاء من الطالب أمام زملائه بطريقة تهينه وتجعله يحاول الانتقام بطريقة أو بأخرى، ويضيف: بعض المدرسين لا يتقنون فن الاستماع الجيد وبالتالي لا يمنحون الطلبة فرصة للاستفسارات وغالبا ما يصادر على كلامنا وهو ما يجعل الطالب يشعر بأنه مكبوت نفسيا ما يدفعه إلى الانتقام.

أما منال تركي العبد الله مدرسة لغة إنجليزية فتشير إلى أن إطلاق الألقاب على المدرسين أو التعليقات التي تصاحب بعض الشخصيات من المدرسات مثل “أم الذهب”، أو “باربي” وغيرها من الألقاب الأخرى التي تطلقها الطالبات على المدرسات بناء على نظرة شخصية أو بناء على موقف صادر من المدرسة أو بناء على طريقة ملابسها أو كلامها، وتنوه منال بأنه لا ضرر من إطلاق الألقاب لأنها عادة قديمة مرت بها الأجيال المتعاقبة حيث تحاول الطلبات الخروج من روتين ورتابة الحياة المدرسية من خلال هذه الأشياء التي تعتبر وسائل تنفيسية، وحول وسائل العقاب التي تلجأ إليها تقول منال إنها غالبا ما تلجأ إلى أسلوب التجاهل أو الحديث الودي مع الطالبات وتتلاشى العصبية والحديث المحتد عليهن.

أما عائشة صالح طالبة بالمرحلة الثانوية فتؤكد أن إطلاق الألقاب على المدرسات هواية بعض الطالبات وتقول: لدينا مدرسة ترتدي الكثير من الذهب ونطلق عليها “أم الذهب”، وهناك أخرى ترتدي عباءة على شكل “سوبر مان” وبالتالي نطلق عليها “سوبر مان”، وأخرى نطلق عليها “باربي” حيث تضع ماكياجا يشبه باربي إلى حد كبير، وتشير إلى انه عند مواجهة المدرسات لهن بهذا الأمر ينكرن تماما ويبدأن التهرب من الاعتراف على من أطلقت هذا اللقب.

عائشة سعيد السوقي طالبة بالمرحلة الثانوية تنوه بأن اغلب المدرسات أصبحن أكثر تفهما هذه الأيام لطبيعة الفتيات خاصة في مرحلة المراهقة وتشير إلى أن مسألة إطلاق الألقاب أو المسميات على المدرسات مجرد وسيلة للإضحاك وليست للاستهزاء، فغالبا ما يتعلق اللقب بشيء ما موجود لدى المعلمة، وتنفي أن يكون الأمر بهدف السخرية من المعلمة لأنها بمثابة أم لهن.

وتتفق معها في الأمر الطالبة رفيعة ياسين التي توضح أن علاقتها بالمدرسات جيدة جدا، لدرجة أنها أحيانا ترسل إلى المدرسة بورقة تكتب عليها ما الذي تعاني منه سواء داخل المدرسة أو خارجها، وتؤكد أن جو المدرسة الروتيني والرتابة التعليمية هي التي تجعل الطلبة والطالبات يحاولون الخروج من هذا الشيء بالتجديد المستمر.

وتضيف: أحيانا يكون العيب في المدرسة خاصة المدرسة العصبية التي لا تقبل تعليق من أي منا ولا حتى ابتسامة في الفصل وتحتد علينا كثيرا وهو ما يدفع بعض الطالبات إلى الرد عليها.

وحول الشخصية المثالية للمدرسة وعلاقتها بإطلاق الألقاب تنوه فاطمة خالد طالبة في المرحلة الثانوية بأن هناك مدرسات يحاولن التقرب إلى الطالبة والتعرف اليها عن قرب وهو ما يخلق الحميمية والدافعية للتقدم في الدراسة أكثر على عكس ما تعتقد بعض المدرسات أنها يجب أن تكشر عن أنيابها على الدوام.

ومن وجهة نظر أسماء أيوب طالبة المرحلة الثانوية فإن وجود مثل هذه الظواهر المدرسية ينبع من عدم التجديد في اليوم الدراسي الذي يستمر مع الطلاب تسعة اشهر على الأقل بنفس البرنامج، وتشير إلى أن هناك مدرسات يطلقن ألقاباً على الطالبات أيضا ولكن بطريقة استهزائية أو للسخرية منها أمام زميلاتها، وبالتالي قد يكون رد فعل الطالبة الرد عليها بالطريقة نفسها من خلال إطلاق لقب عليها أو محاولة عرقلة طريقها بأي من الحيل الصغيرة.

وتروي آمنة موسى الطالبة بالمرحلة الثانوية قصة حدثت معها تتعلق بالعناد بين الطالبات والمدرسات وتقول: كان لي صديقة في الصف ولم تحل الواجب المدرسي فعاقبتها المدرسة عن طريق الضرب على اصبعها لدرجة انه كسر، وبالفعل تكاتفت الطالبات على المدرسة للانتقام منها بسبب الموقف الذي حدث مع زميلاتهن، فقمن بخلع باب الفصل من مكانه، وعندما همت بدخول الفصل انقلب الباب على رأسها..

الخليج الاماراتية في 6/ مارس 2008م

وتحياتي للجميع