مشكلة الجزرة
الأسباب الخمسة لإخفاق المكافآت
المكافآت في الفصول الدراسية أو البيت أو أماكن العمل تنتج خضوعا وامتثالا مؤقتا ولكنها لا تقود إلى تغييرات سلوكية دائمة بل الدراسات تؤكد أنّ الذين يتوقعون المكافأة لا يعملون كما يعمل من لا ينتظرها.والعبارة السائدة هنا هي"افعل كذا وأعطيك كذا"لا تؤدي إلى ما يريده صاحبها.
السبب الأول:
المكافأة لا تشجع على المجازفة بل تثبط هذه الرغبة.
المكافأة قد تزيد من احتمالية أن نسلك المسلك الذي يُراد لنا أن نسلكه. كما أنه يغيّر الطريقة التي ننخرط بها في قضية معينة. فعندما نعمل للحصول على مكافأة ، فإننا نقوم بما يتطلبه الحصول عليه تماما ولا نزيد على هذا.
" المكافأة عدو الاكتشاف"
هل يعني هذا أن المكافأة لا تحفز الناسَ على المجازفة أبدا؟ فماذا عن المقامرين؟
1- المقامرون يحاولون زيادة الربح والتقليل من المجازفة.
2- المقامرون ينخرطون في قضية طبيعتها المجازفة ولا ينخرطون في مسالة يتحدَون فيها حدودها بالنظر إليها من زاوية أخرى.
من يعمل لينال مكافأة ليس مستعدا لمجازفة الحصول على نتائج سلبية بل يريد أن ينتهي سريعا.وهذا يساعد على إقامة فصول يفكرُ فيها الناسُ بشكل متشابه ولا يجازفون من أجل التجديد أو الفهم الخ.
والمشكلة الأعظم هي أننا لا نريد أن ننجح في المهمة بل في الحصول على المكافأة.
مثال:
بيتزا لكل من يقرأ كتابا.
ما الكتابُ الذي ستقرأ؟هل ستقرأ كتابا صعبا؟
ما اثر هذا على مهارات القراءة لديك وموقفك من الكتب؟
إن خطورة المكافأة في المدرسة هي أن الطالب سيفهم أن المدرسة مكان للحصول على العلامات بأي ثمن فقط وأنّ المدرسة ليست مكانا لمحاولة أفكار جديدة والمجازفة الفكرية والانتقال إلى مواقع فكرية متقدمة ومختلفة وإنتاج معرفة جديدة واستنهاض العقل للإبداع.
الطبيعي هو رغبة الإنسان في التغيير والرغبة في فهم العالم واللعب بالأفكار والمحاولة والتعلم بالتجربة والخطأ.
يتحدث جون هولت عن ابنة أخيه ذات السبعة عشر شهرا وكيف انه قضى أيامه الصيفية مراقبا ومتابعا لها .. وقد لاحظ أنها أشبه بالعلماء فهي دائمة المراقبة والتجريب بلا ملل ولا كسل فتراها نشطة تحاول اكتشاف ما حولها ومعرفة كيف تعمل الأشياء .. وعند العقبات تراها تعمل بإصرار . ومع أن كثيرا من تجاربها ومحاولاتها للتحكم ببيئتها لا تنجح فإنها تواصل نشاطها بلا توقف .
ويرى المؤلف أن سبب هذا لعله عدم وجود عقوبات مرتبطة بإخفاقاتها إلا العواقب الطبيعية مثل السقوط عند محاولة الوقوف على كرة . ويذكر أن الطفل لا يتعامل مع الإخفاق كما يفعل الكبير لأنها لم تتعلم – بعد- أن الإخفاق عار أو جريمة وعلى عكس الكبار، فإنها ليست معنية بحماية نفسها من كل أمر صعب وغير مألوف فهي دائمة المحاولة ...
ويرى المؤلف أنه بملاحظة الطفلة يصعب الأخذ بفكرة أن الإنسان لا يتعلم إلا بالمكافأة والعقوبة. لا شك أن الطفلة تحصل على مكافآت وتصيبها عقوبات من المحيطين بها إلا أنها تقضي معظم وقتها بعيدا عن المديح واللوم ومع ذلك لا تتوقف عن التعلم والاكتشاف ومحاولة فهم ما يجري حولها وتعلمها وحده يعطيها الرضا والسعادة سواء لاحظ ذلك المحيطون بها أم لا. المصدر:How Children Fail/ John Holt
الإنسان يحب أن ينجح في اجتياز الصعوبات وكل هذا يزول إذا ربطناه بالمكافآت.
هل تحفز المكافآتُ الناس؟
نعم تحفزهم لطلب المزيد من المكافآت فقط.
السبب الثاني:
يقلل من الاهتمام بالأمر الذي نعده بمكافأة إذا أنجزه.
يُحكى أنّ مجموعة أطفال كانوا يمرون برجل كبير في السن كل يوم ويسخرون منه فجمعهم ووعد كل من يواصل السخرية منه بمبلغ من المال. فأصبح الأطفال يتقاضون مكافأة على السخرية منه وبعد أسبوع خفض من قيمة المكافأة إلى النصف ثم وبعد أسبوع آخر جعل المكافأة مبلغا زهيدا جدا مقارنة بالمبلغ الأول فتوقف الأطفال عن السخرية منه.
القاعدة هنا التي توصل إليها باحثون مثل Edward Deci من جامعة روشستر الأمريكية وMark Lepper من جامعة ستانفورد الأمريكية في السبعينات من القرن الماضي بعد تجارب في هذا الشأن هي:
المكافآت الخارجية تقلل من الحافز الداخلي.
والسؤال هو لماذا؟
1- كل ما يُقدم كمتطلب لشيء آخر- أي كوسيلة لبلوغ نهاية أخرى- تَقل الرغبة فيه.
2- يُنظر إلى المكافأةِ كوسيلة للسيطرة والتحكم وبالتالي تهديد الاستقلالية.
فكأنّ المكافأة تسحب سلوكنا ولكن من الخارج وليس بدافع داخلي.
وهناك أمور أخرى تقلل الاهتمامَ والحافز الداخلي ايضا:
1- التهديد
2- المراقبة
3- توقع التقييم( أي أن نتوقع أن يقيمنا آخرون)
4- وضع موعد محدد لإنهاء مهمة( أن يضع آخرون موعدا محددا لإنهاء عمل نُكلف به)
5- الأوامر
6- المنافسة
اهتمامنا بشيء يُستخدم كمكافأة لا يعني أن استخدامها كمكافأة عمل غير ضار
فاهتمام الطفل بالمال طبيعي ( واهتمامُ الإنسان بالمال أمر طبيعي) ولكن هذا لا يعني أن استخدام المال بالطريقة التي بينت( اعمل كذا وسأعطيك مبلغا من المال) عمل نافع.
السبب الثالث:
المكافأة تتجاهل الأسباب.
باستثناء الأماكن التي أصبحت العقوبة ( أرجو ألا يُفهم من كلامي أنني أعارض العقوبة مطلقا ) والمكافأة عادة، فإنهما يُبحث عنهما عندما يظن شخص ما أن هناك مشكلة. فهناك طفل لا يسلك المسلك الذي نريد أو طالب لا حافز لديه للدراسة أو موظفون لا يؤدون عملهم بجدارة وهنا نحضر التعزيز الإيجابي.
ما أسباب ضعف الحافز لدى الطالب؟
إنّ محاولة تحفيزه بوعده بمكافأة يُبعدنا عن البحث عن أسباب المشكلة.
مثال:
طفلي لا يذهب إلى فراشه مبكرا. ما الحل؟؟؟
الحل الأول:
"إذا لم تذهب إلى فراشك الآن فأنت ممنوع من مشاهدة التلفاز لمدة أسبوع"
الحل الثاني:
"إذا ذهبت إلى فراشك الآن فسأشتري لك الجيلَ الثالث من لعبة سوني"
السؤال:
كيف نقترح حلا ونحن لا نعرف السبب؟؟
الوعد بمكافأة ليس حلا بل أسبرين يُغطي الأسباب ويُلبسُ المشكلة قِناعا .
الطالبُ لا يلقي بالا للدرس؟؟؟لماذا؟؟لا تسل عن الأسباب . عِده برحلة أو بدرجات عالية أو هدده بالطرد من الفصل وتُحل القضية. لكن هل فعلا تحل القضية هكذا؟؟؟؟وفرق شاسع بين حلها وبين رضوخ الطالب والتظاهر بأنه منتبه لما يُقدم له في الفصل الدراسي. فإن كنا نريدُ الثاني فقد حققناه بالمكافأة.
هل الإنسان هو ما يفعله فقط فإذا غيرت ما يفعل غيرت الإنسان؟
هل يعني هذا أن كل من يعد طلابه مثلا بمكافأة إذا أدوا واجباتهم يتجاهل أسباب التقصير ؟ لا ولكنه يعني أن التركيز على حل المشكلة بهذا الأسلوب( مع أنه لا يحل المشكلة) يجعل المهتمَ بالطالب يتجاهلُ الأسباب الحقيقة لتقصير الطالب ويسلك المسلك الأسهل بوعده بمكافأة إذا أدى ما عليه.
إن هذا يشبه إلى حد ما التظاهر أمام زوار فصل دراسي بان الطلابَ يشاركون فقط لإقناع الزائر بأنّ كل شيء على ما يرام ولكن هذا لا يجعل كل شيء على ما يُرام.
السبب الرابع:
المكافأة تعاقب.
فالمكافأة والعقوبة وجهان لعملة واحدة.وهما يُستخدمان لاستدعاء سلوك معين نرغب فيه من شخص معين كما أن تكرار استخدام واحد من الأسلوبين يؤدي إلى الحاجة للمزيد من العقوبة أو المكافأة لضمان بقاء السلوك الذي نريد.
1- المكافأة تتحكم كالعقوبة
2- حجبها عقوبة
السبب الخامس:
المكافأة تتلف العلاقات
والمقصود بالعلاقات هنا
1- بين الطلاب أنفسهم لأن روح المنافسة ستحل بينهم ومحاولة كل واحد منهم هزيمة الآخر بدلا من التعاون الذي يؤدي إلى علاقات جيدة بالإضافة إلى تعلم نوعي
2- وبين من يأخذ المكافأة ومن يُعطيها
كيف نخفف أضرار هذا الموضوع؟؟
1- أبعد المكافآت عنهم( أنا لا أقول لا تعطه مالا بل لا تستخدمه بالأسلوب الذي بينت فقط) والمقصود هنا قدم القليل من المكافآت وبصفة خاصة لا أمام الآخرين ولا تجعل منها قضية.
2- قدم المكافأة كمفاجأة .( المشكلة هنا أن تكرار هذا سيعيدنا إلى ما نحذره)
3- اجعل المكافأة من جنس العمل.( إذا قرأت كتابا أعطيتك كتابا)
4- أعطهم خيارات في كيفية استخدام المكافأة( ما الذي سيُعطى لهم وكيف ولمن؟)