تخطيط .... أم تخبيط
لم أكن أتوقع ذات يوم ، أن ذلك الصديق المحرّض ، و صاحب الفلفسة ، و متعهد الحيسة ، ( نجوم الحوارات السابقة ) ، سيعملون على تأسيس مجلس حوار خاص بهم ، أسوة بمجالس حوار الطلاب ، و مجالس حوار المعلمين .
سامح الله ذلك الصديق المحرّض ، كان يبث نوعاً من الدعاية لفلسفتي كما يسميها ، و لطريقتي في النظر إلى الأمور ، و التي لا أرى فيها ، ما يدعو إلى الإعجاب .
و لم أكن أعلم ، أنهم اعتبروني عضواً مهماً في مجلس حوارهم ، فما إن و صلت ، حتى خيم السكون على الجميع ، و كنت أسمع ضجيج نقاشهم من بعيد .
ألقيت التحية على الجمع ، فردوها بأحسن منها.
عاجلني صديقي المحرّض بقوله : أهلاً يا أخي ...كنا نناقش اليوم .... بعض ما طرحته وزارة التربية والتعليم ، من خطط عمل ، و مشاريع للتّطوير ، و تجارب تربوية ، و على وجه الخصوص ما طرح منها هذا العام .
و أردف قائلاً : و كنّا ، ننتظر وصولك ، فالجميع هنا يتوق لسماع و جهة نظرك ، بل إن البعض كان يرفض بدء الحوار قبل مجيئك ، بحجة أنك ستأتي لتغير زاوية النظر إلى الأمر ، و تعكس اتجاه الحوار ، و لإيمانهم بأنك دائماً ما تقف موقف المعارض ، و أنك تبحث عن كل ما بين السطور ، و تقرأ ما خلف الكلمات .
قلت : ليسامحك الله يا أخي .... إنك تحاول دائماً أن تجعل مني زعيماً للمعارضة ، فهل هي محاولة ، تسعى من خلالها ، إلى زيادة غضب الآخرين مني ؟
قال : كلا ... كلا .... إنما عنيت فقط ، معارضتك لأسلوب تفكيرنا ، و الاتجاه الذي ننظر منه إلى ما نطرحه من موضوعات في مجلس الحوار ، و هي ظاهرة أرى ، و بكل تأكيد ، أنها ظاهرة صحية ، و تقودنا في الغالب إلى تبني وجهات نظر لا نختلف عليها لأن أساسها منطقية التفكير .
قلت : المشكلة أنكم بدأتم الحوار من قبل ، و قلتم فيه من الآراء ، و الأفكار ما قلتم ، و ليس بإمكاني مشاركتكم فيه ، إلا إذا علمت بما كل ما دار قبل وصولي .
قال أحدهم : ليست هناك مشكلة ... يمكن لأحد الإخوة أن يعطيك ملخصاً لما كان ... هل هذا هو ماذا تريد ؟
قلت : نعم أريد أن تسمحوا لي بالاطّلاع على ما دار بينكم في الحوار أولاً ، لأبدأ من حيث انتهيتم ، فهلّ لي أن أسأل من أي زاوية انطلق الحوار ؟ و أين وصل ؟
قال : كنا نناقش الأمر من حيث إمكانية تطبيق تلك التجارب ، و المشاريع ، و الخطط ، التي طرحت هذا العام في واقع ميدان التربية و التعليم ، المتضخم بما هو متراكم من المهام .
سألته : و ماذا كانت نتيجة الحوار ؟
قال : انقسم الجمع إلى فريقين على طرفي نقيض ، فهناك فريق يرى وجوب التطبيق لكل ما تطرحه وزارة التربية والتعليم ، لاعتقادهم أنه لا يمكن أن يطرح ، إلاّ بعد دراسات مستفيضة ، و أبحاث علمية ، و من المفترض أن تكون تلك الدراسات و الأبحاث قد أكدت جدوى ما يطرح ، و أن ما يطرح في الغالب تمت تجربته في دول أخرى ، و ثبت نجاحه هناك ، أما الفريق الآخر ، فيرى أن ما يطرح ، لا يخضع لأسس التخطيط السليم ، و يفتقر إلى أدنى درجات التوافق مع واقع الميدان التربوي و التعليمي ، لذا فإن تطبيقه لن يكون مجدياً .
قلت : أعلم أن من قواعد الحوار ، حين ينقسم المتحاورون إلى فريقين يتبنى كل منهما و جهة نظر مختلفة ، تصبح مهمة المتحاورين محصورة في النظر إلى الرأيين المتعارضين ، في محاولة لتغليب أحدهما على الآخر ، أو للوصول إلى التوفيق بينهما ، و ذلك باعتماد رأي ثالث يرتضيه الجميع ، و هذا النوع من الحوارات غالباً ما يقود إلى مواجهة بين الأفكار . و أنا عادة ما أخشى مثل هذا النوع من الحوارات .
فهل أحصل منكم على وعد بالتزام الهدوء و ضبط النفس خلال مراحل الحوار ؟
و هل يؤمن كل فريق بمبدأ الحوار القائل : رأيي هو الصحيح ما لم يثبت العكس ؟
قال الزميل المحرّض معلقاً : يبدو لي أنك تخشى هنا ، من تحول الحوار اللفظي ، إلى ما هو أبعد من ذلك .
قلت : الحمد لله أن قدر ( الحيسة ) لا وجود له اليوم ، و ليس على مكاتبكم سوى الأوراق ، و الكتب ، و المذكرات ، و لكن لمزيد من الاحتياط ، أرجو من كل منكم ، إبعاد أي نوع من الأدوات الحادة أو الثقيلة عن متناول يده .
ضحك متعهد الحيسة و قال : ـ و هو يخرج القدر من تحت مكتبه ـ القدر موجود ... و قد فرغ من محتواه مبكراً .
قال أحد الزملاء : لا ..... لا تخف يا أخي ، و اعلم أنه منذ مقولة ( لا تضرب الطالب و لو بغصن ورد ) ، لم يعد هناك أجبن من العاملين في ميدان التربية و التعليم ، إنهم لا يضربون أحداً ، بل يضر بون و لا يجدون من يدافع عنهم .
قال آخر : لحظة ... لحظة من فضلكم .... الأخ يعترض على القانون الذي يمنع ضرب المعلم للطالب .
قلت : ـ محاولاً إجابة الزميل باختصار ، و إعادة الحوار إلى مساره ـ كلا يا أخي ..... لا أعتقد أن بيننا من يعترض على ذلك ، و لكن يبدو أن الأخ الزميل مثلي ، لا يشجع على ضرب الطالب عند تقصيره في كل ما يقع في نطاق عملية التعليم و التعلم ، إذ يمكن معاقبته بأساليب أخرى ، لكن ماذا لو تجاوز الطالب هذا الأمر إلى ما يندرج تحت إساءة الخلق ، أو ضمن ما يمكن اعتباره جريمة ، هل تعتقد أن عقوبة الفصل من المدرسة لفترة زمنية معينة كافية ، إنها تمثل أقصى ما يتمناه سيء الخلق ، حتى حسم الدرجات لن يكون له أدنى أثر على أمثال هؤلاء .
و استرسلت قائلاً : اسمحوا لي أن أقول لكم ، بأن كل فريق من الفريقين ، نظر إلى موضوع الحوار من زاوية حادة ، و لو أنكم حاولتم جمع الزاويتين الحادتين ، لنتجت عن ذلك زاوية أكثر انفراجاً ، تتيح رؤية أشمل و أوضح ، و لما ظهر هذا الخلاف بين الفريقين .
قال صاحب الفلفسة : يا أستاذنا ـ و كان يشير إلى أحد الزملاء المتخصصين في الرياضيات ـ أجبني لو سمحت ، هل جمع زاويتين حادتين يعطي زاوية أكثر انفراجاً ؟
أجابه الزميل : نعم ، و بكل تأكيد
قال صاحب الفلفسة : الحمد الله ... إنما خشيت أن يبدأ صاحبنا حواره باستخدام قاعدة رياضية خاطئة ، فنصل في النهاية إلى نتيجة خاطئة .
قلت : هل لي أن أستمع من الفريق الأول ( الذي يري ضرورة التطبيق لكل ما جاء من الوزارة ) إلى ما يرونه من حيثيات تدعم وجهة نظرهم ؟
قال أحدهم : يا أخي نحن نعتقد ، بل و نكاد نجزم ، أن أي مسؤول و في أي موقع في وزارة التربية و التعليم ، لا بد و أن يكون حريصاً على مراعاة كافة الأسس عند اختياره لما يطرحه من الخطط ، و التجارب ، و المشاريع ، إضافة إلى ذلك فإن أغلب المسؤولين يحرصون في العادة على طرح تلك الخطط ، و التجارب ، و المشاريع ، التي سبق تطبيقها ، و تجربتها في دول أخرى ، و بعد أن ثبت نجاحها هناك ، و أنه لا ضير من الاستفادة من تجارب الآخرين .
قلت : و ما قول الفريق الآخر ؟
قال أحدهم : نحن بنينا وجهة نظرنا على أمرين :
1. أن تعدد الخطط ، و تنوع التجارب ، و المشاريع ، في وقت واحد يشتت جهود العاملين و يمنعهم من أداء مهامهم المعتادة .
2. و أن أغلب تلك الخطط ، و المشاريع ، و التجارب ليست منبثقةً من واقعنا الميداني
قلت : حسنناً ... دعونا الآن ، ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى ، فقد نظر فريق منكم إلى تلك الخطط ، و التجارب ، و المشاريع من باب الثقة بمن يطرحها ، و من حيث أن ما نجح لدى غيرنا ، سينجح لدينا بكل تأكيد ، إلا أن أفراد هذا الفريق أغفلوا كل الفوارق بيننا و بين غيرنا .
أما الفريق الآخر فنظر إلى الأمر من حيث أن تراكم تلك الخطط ، و التجارب ، و المشاريع ، و ما يمكن أن ينجم عن هذا التراكم من سلبيات ، و من باب أن تجارب الآخرين ، لا تتوافر لها فرص النجاح لدينا ، إلا إذا أعيدت صياغتها لتتناسب ، مع واقعنا التربوي و التعليمي
قال أحد الزملاء : و هل يفترض بنا أن نناقش مثل هذه الأمور ، و قد فرض علينا تنفيذها ،
قال صاحب الفلفسة : و من لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان .
قلت : حسناً ... سأنتقل بكم لننظر إلى الأمر من زاويتي المفضلة ـ الزاوية المنفرجة ـ . فهي زاوية تمنحنا أفقاً أكثر اتساعاً ، و حين يتسع الأفق ، ترى ما يحجب عنك .
قال آخر : أرجوك يا أخى .... أنظر إلى الأمر كما شئت ، و من أي اتجاه ، لكن بعيداً عن الرياضيات ..... فيكفيني ما وجدته من جدول الضرب .
سألت الزملاء : لو طرحنا على أنفسنا التساؤل التالي :
متى تفرض المشاريع ، و التجارب ، و الخطط ، من قبل المسؤولين في وزارة التربية و التعليم ؟
قال أحدهم : لا أرى أن هناك مواعيد محددة ، فدائماً ما يكون عنصر المفاجأة ، هو العامل المشترك في كل ذلك .
قال الزميل - الذي شكا من جدول الضرب - : يا إخواني ... اتقوا الله ...... و الله حرام عليكم .... زوايا ، و طرح و عامل مشترك ، لم يبقى إلا التفاضل و التكامل .
قلت : حسناً ... بعيداً عن الرياضيات ، حاولوا أن تبحثوا معي عن أمر ما ، يتزامن مع حدوثه ، ظهور تلك المشاريع ، و التجارب ، و الخطط .
قال صديقي المحرض : ـ ذلك الصديق ، الذي يعرف كيف أفكر ـ انتبهوا أيها السادة من هنا سيبدأ العمل بمنطقية الحدث ، و السبب ، و المسبب ، و بفلسفة ما فرض ليكون ، و ما يفترض أن يكون .
قلت : يا أخي ... أنا لا أتفلسف ........ لكنني أحاول دائماً ـ و أنت أعلم الناس بذلك ـ أن تكون نظرتي إلى أبعاد المسائل ، بشيء من العمق ، و أنني أحلل أطراف الأمر ، و أجمع العلاقات بين الأطراف ، لأصل إلى و جهة نظر سليمة .
قال أحدهم : يا أخي ...... أنظر كما شئت ...... حلل ، جمع ، اربط ، المهم ، أتحفنا بما لديك ...... فنحن نريد حقاً أن نصل إلى نتيجة في هذا الأمر .
سألت الزملاء : ألا ترون معي ، أن ظهور التجارب ، و المشاريع ، و الخطط يتزامن في أغلب الأحوال ، مع تولي مسؤولين جدد ، لمواقع المسؤولية في وزارة التربية و التعليم ؟ .
و أنه كلما جاء مسؤول ، إلى موقع من مواقع المسؤولية نراه يسرع ... ليخبط خبطته ، أقصد ليخط خطته أ و يفرض مشروعه ، أو يبدأ تجربته .
قال صديقي المحرّض : صدقت ... فحين تولى الأمر متخصص في القياس و التقويم ، ظهرت لائحة التقويم ، و تجربة التقويم المستمر ، و حين استلم الدفة متخصص في الإشراف التربوي ، طرحت تجربة الإشراف المباشر و المشرف المنسق ، و حين استلم الأمر متخصص في اقصاديات التعليم ، كادت تتحول ساحات مدارسنا و أسوارها إلى مواقع للوحات الإعلانات التجارية ، و هكذا دواليك .
قال أحد الزملاء : فعلاً .... هذا بالضبط هو ما يحدث ، إلا أنه لا ينتبه إلى هذا الأمر ، إلا من يفكر في المشكلة بهذه الدرجة من العمق .
تساءل آخر : هل أفهم من أقوالكم ، أنه كلّما جاء مسؤول إلى موقع المسؤولية ، يطرح ما لديه ، ليقول للآخرين انتبهوا نحن هنا ، و من سبقنا ليس بأحسن منا .
قال ثالث : هل تريدون القول هنا ، بأن ما يطرح لا يهدف إلى التطوير ، بقدر ما هو محاولة لإثبات الذات ، و تأكيد استحقاق الموقع ؟
قلت : نحن لم نقل هذا....... نحن نقول ، لو كان الهدف هو تطوير واقع ميدان التربية و التعليم فعلاً ، لما وجدنا هذا الكم من الخطط ، و التجارب ، و المشاريع ، مطروحاً في الميدان ، و في ذات الوقت .
قال : هلّ لك أن توضح ما تعنيه ؟
قلت : الأمر لا يحتاج إلى توضيح ، فلو افترضنا جدلاً أنه حدث نوع من التطور في مستويات الأداء ، و تحسنت خصائص مخرجاتنا فإلى أي التجارب أو المشاريع ، أو الخطط سينسب هذا التطور ؟
ألا يعلم أصغر الأكاديميين ، أن من أسس النجاح في تجريب أمر ما ، أن تثبّت كل ما عداه ، لتحصل في النهاية على تقييم سليم لأثر تجربتك ؟
قال زميل : يا أخي ... أين ذهبت بنا ... كنا نفكر فقط في إمكانية التطبيق لما يطرح ، ولم نفكر بشيء مما أوصلتنا إليه .
قلت : لو سألتكم الآن ، كيف تنظرون إلى ما يطرح من تجارب و مشاريع و خطط بماذا ستجيبون ؟
قال أحدهم : إنها صور من ( البروباغندا ) الإعلامية ، فقاعات هوائية لا تلبث أن تتلاشى باختفاء أصحابها .
قلت : إلا أن أصحاب بعض تلك التجارب ، و الخطط ، و المشاريع ، كانوا من الذكاء ، بحيث أوجدوا من يتبنى ما طرحوه بعد ذهابهم .
قال آخر : إنها خبطات تستثمر في تأكيد الوجود . نعم إنه التخبيط بعيداً عن التخطيط .
قلت : دعونا نعود الآن ، إلى الفريق المؤمن بأن نجاح تلك الخطط ، و المشاريع ، و التجارب ، في دول أخرى كفيل بأن يضمن نجاحها لدينا ، لنقول لهم :
إنه في أي مجال من المجالات (الصناعية ، الاقتصادية ، الطبية ، الزراعية ، و غيرها ) ، فإن ما ينجح في موقع يمكن أن ينجح في موقع آخر ، إلاّ في مجال التعاملات الإنسانية ، و الأمور الاجتماعية ، كأمور التربية و التعليم ، فليس بالضرورة ، أن ينجح لدينا ما نجح لدى غيرنا .
قال أحد الزملاء : نعم ، فلكل مجتمع خصائصه ، و ظروفه ، و معتقداته بل وحتى إمكاناته ، و قدراته .
قلت : حين يتفق الأمر مع خصائص المجتمع ، و يتلاءم مع ظروفه ، و يتناسب مع معتقداته ، و يلبي احتياجاته و متطلباته ، فلا بد له من أن ينجح ، أما فيما عدا ذلك فهو أولى بالفشل .
قال صاحب الفلفسة : هل تقصد بما تقول أن طرح أي مشروع ، أو تجربة ، أو خطة عمل ، يجب أن يسبق بعمليات تعديل ، و تصحيح ، و إعادة صياغة ، ليحقق ذلك التناغم مع واقعنا التربوي و التعليمي .
قلت : تماماً ... هو ذاك ما يفترض أن يكون
ثم تساءلت : هل لاحظتم ، ذات يوم ، أنه أجريت أية محاولة لتهيئة ميدان التربية و التعليم ، على وجه الخصوص ، و المجتمع بشكل عام ، قبل فرض أي أمر على الواقع ؟
قال أحدهم : إطلاقاً لم نر شيئاً من هذا يحدث ، فعنصر المفاجأة هو الغالب
.قلت : هل علمتم يوماً أن هناك عملية استفتا ، أو استطلاع للرأي ، حيال شيء مما يطرح ؟
قال آخر : كلاّ .. إنما يطرح بصورة الأمر الغير قابل للتراجع ، و من منطق : أوقفوا ما أنتم فيه ، و نفذوا ما آمركم به ، و بفلسفة رأيي هو الصواب ، و رأي غيري خطأ .
قلت : هل سمعتم ذات يوم ، أننا قمنا بعملية تقييم لأي من تجاربنا ، أو خططنا ، أو مشاريعنا ؟
قال صديقي المحرض : أبداً .. لم يحدث هذا من قبل ، فالأمر قائم على أرض الواقع ، مادام صاحبه هناك ، و لا يظهر الفشل إلا بمغادرة صاحبه
قلت : موجهاً حديثي إلى الفريق المؤمن بأن ما نجح لدى غيرنا يمكن أن ينجح لدينا ، لو سألتكم الآن ما هي و جهة نظركم ؟ بماذا ستجيبون
قال أحدهم : لا أخفيك أن و جهة نظري تغيرت ، فليس بالضرورة ، أن ينجح لدينا ، ما نجح لدى غيرنا ، ؟ إلا إذا توافرت له شروط النجاح .
قلت : أما بالنسبة للفريق الآخر ، الذي يرى صعوبة التطبيق فسؤالي هو : هل تعدد ، و تنوع ، تلك التجارب ، و المشاريع ، و الخطط هو السبب في صعوبة التطبيق ؟
قال أحدهم : بكل تأكيد
قلت : ألا ترون أن طبيعة الميدان التربوي ، و المتّسمة بتعدد العناصر ، و تنوعها ، هي السبب في هذا التعدد ، و أن من واجبنا التعامل مع كل تلك العناصر على تعددها و تنوعها ؟
قال أحدهم : نعم يا أخي أنا معك فيما ذهبت إليه ، لكن حين يكون كل ذلك منبثقاً من واقع تلك العناصر .
قلت : هنا نعود إلى ما و صلنا إليه مع الفريق الأول من أن ما يطرح لا تتوافر له شروط النجاح .
قال زميل: هذا يعني أننا نجحنا في أن نصل بالفريقين إلى ما يجمع بينهما ، من حيث النظر إلى تلك التجارب و المشاريع و الخطط
قال آخر : حسناّ ... ما و صلتم إليه شيء جيد ... فلنتفق الآن على وجهة نظر واحدة ، تجاه تنفيذ تلك الخطط ، و التجارب ، و المشاريع .
قال صديقي المحرض : كأني بك هنا تحرّض الجميع على الامتناع عن تطبيق كل ما يطرح في الميدان التربوي و التعليمي ؟
قلت : كلاّ يا أخي ، فهناك الكثير من النجاحات ، التي حققتها بعض الخطط ، و التجارب ، و المشاريع ، حين اتفقت مع واقع الميدان التربوي و التعليمي ، و عندما اعتمدت الأسس السليمة في التخطيط و التنفيذ .
قال متعهد الحيسة : أراكم أطلتم الحوار ...... أعطونا النتيجة .... نطبق أو لا نطبق .
قلت : حين تطمئن إلى سلامة الأمر ، يسهل عليك تطبيقه ، أما فيما عدا ذلك ، فمن الخطأ أن تبدأ التطبيق ، قبل أن تقول رأيك في كل جزئية فيه ، و دون أن تحاول إقناع أصحاب الشأن ، للأخذ بوجهة نظرك ، لأن ما بني على خطأ سيقود إلى خطأ .
واصلت حديثي لأقول : إنما أعنيه هنا ، هو أنه حين يأتي ما فرض ليكون ، مخالفاً لما يفترض أن يكون ، كأن يطرح ما فرض مفتقراً إلى أسس التخطيط السليم ، و لا يعتمد الواقع كأساس في بنائه ، فإنه لا جدوى من تطبيقه .
فهل نصمت ؟ دون أن يكون لنا رأي فيما فرض علينا ، خارج حدود ما يفترض أن يكون ؟
قال أحدهم : و إذا أبديت ما أرى ، و حاولت إقناع الآخرين ، و لم يؤخذوا بوجهة نظري ...... فما العمل ؟
قلت : تكون قد قمت بما يجب عليك ، و تحاول أن تنفّذ ما فرض عليك ، و فق ما تراه أنت ، حتى لا تشترك في الإثم .
قال : أي إثم ؟ ... أنا أنفذ الأوامر
قلت : حتى لو علمت أن في الأوامر ضياع لفلذات أكبادنا
قال : ماذا تقول يا أخي ؟ إنك تحاول دائماً أن تظهر الأمور ، أكبر من حجمها .
قلت : إذا لم تتوافر في التجربة شروطها ، و لم يكن للمشروع أهدافه ، و لم تمتلك الخطط مقوماتها ، أ لن ينعكس هذا سلباً على تعليم و تربية أبنائنا ؟
قال مستغرباً : يا ألله ..... ما أعمق نظرتك للأمور ... فعلاً كان يفترض ، أن تكون لنا خططنا ، و مشاريعنا ، و تجاربنا ، التي تتناسب مع واقعنا ، و لا تتغير بتغير الشخوص على مسرح وزارة التربية والتعليم .
قلت : لكنك ترى ، أنه غالباً ما يفرض علينا غير ما هو مفترض أن يكون
رد صديقي المحرض متسائلاً : أ لم أخبركم من قبل ، أن صاحبنا ، ينظر إلى الأمور من زوايا متعددة ؟ و أنه يجمع ، و يربط ، و يحلل ، و بفلسفة لم نعهدها من قبل
قال الزميل : ـ موجهاً الحديث لصديقي المحرض ـ : صدقت يا أخي العزيز ، إنه دائماً ينظر إلى الأمور معتمداً على فلسفة غريبة تقع في المساحة ( بين ما فرض ليكون و ما يفترض أن يكون )، ويتعامل معها بمنطقية
( الحدث ، و السبب ، و المسبب ) .إنه فعلاً كما أخبرتنا ليس من فلاسفة كوكبنا ) .
قال صاحب الفلفسة : يا إخوان .. أي كوكب ؟؟؟ .. إننا لا نعلم بوجود حياة ، إلا على كوكب الأرض .
قال متعهد الحيسة : يا أخي .. ليكن ما تقول ، المهم أن فلسفته ، و طريقة تفكيره ، لا يجرأ على استخدامها إلا من يعشق الوطن . و هؤلاء قلة على كوكبنا .
عندها ، حملت أوراقي متأهباً للخروج
قالوا : إلى أين ؟ ما زال الوقت مبكراً .
قلت : قبل أن أصبح مادة للحوار ، سأرحل إلى كوكبي بعيداً عن التخبيط
سألني زميل : و متى تتوقع أن يصبح التخطيط بديلاً عن التخطيط ؟
أجبته : عندما يأتي ما فرض ليكون متفقاً مع ما يفترض أن يكون ............... و إلى اللقاء