المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
حديث حيرني . فهل من مجيب ..؟
الساحات السعودية > المنتدى الاسلامي > ساحة الفتاوى والحديث والإستشارات الفقهية
فارسة نجد
عن أبو داوود عن أم سلمة , زوج النبي صلى الله علية وسلم عن النبي صلى الله علية وسلم قال

( يكون اختلاف عند موت خليفة ، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة ، فيأتيه ناس من أهل مكة ، فيخرجونه وهو كاره ، فيبايعونه بين الركن والمقام ، ويبعث إليه بعث من الشام ، وعصائب أهل العراق ، فيبايعونه ، ثم ينشأ رجل من قريش ، أخواله كلب ، فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم ، وذلك بعث كلب ، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب ، فيقسم المال ، ويعمل في الناس بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الارض ، فيلبث سبع سنين ، ثم يتوفى ، ويصلي عليه المسلمون )


أخوتي في الله هذا الحديث قرأته مراراً وتكراراً ولكني أولاً لم أفهم من المعني بهذا الحديث ومن هو هذا الخليفه ومن هو الرجل الذي سيخرج .

وسؤالي الثاني وأتمنى أن تجيبوني عليه مشكورين هو :

مامدى صحة هذا الحديث . فلقد عرضته على فضيلة الشيخ حامد عبد الله العلي حفظه الله في موقع الألكتروني وضعفه قائلاً :

الحديث ضعيف وفيه الرجل المبهم وهو علة الحديث .


فهل أجد بينكم من يفقه في علوم الحديث ويدلني على معنى كلامه .

ولكم مني جزيل الشكر .

وجزاكم الله خيراً
الرائد7
السلام عليكم
الحديث ضعيف.. لايثبت
وسبب الضعف أن فيه رجلا لايعرف من هو وهذا يقدح في صحة الحديث..
وهو في الجملة يتكلم عن آخر الزمان والرجل الذي يبايع في الحديث هو المهدي
ولكن لاتلتفتي للحديث فهو لايثبت والله أعلم
فارسة نجد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . بارك الله فيك وجزاك عني خير الجزاء .

شكراً لك
ضيف الساحة
ما هي درجة الحديث المروي عن أم سلمة رضي الله عنها( يكون اختلاف عند موت خليفة ، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة ، فيأتيه ناس من أهل مكة ، فيخرجونه وهو كاره ، فيبايعونه بين الركن والمقام ، ويبعث إليه بعث من الشام ، وعصائب أهل العراق ، فيبايعونه ، ثم ينشأ رجل من قريش ، أخواله كلب ، فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم ، وذلك بعث كلب ، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب ، فيقسم المال ، ويعمل في الناس بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الارض ، فيلبث سبع سنين ، ثم يتوفى ، ويصلي عليه المسلمون )

*********************

جواب الشيخ:حامد العلي

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد : ـ

الحديث قد ضعفه المحدث العلامة ناصر الدين الالباني رحمه الله تعالى .

وقد أحلنا الحديث إلى الباحث في علم الحديث الاخ الكريم فالح المسلم ، فأفاد بما يلي :

حديث أم سلمة رضي الله عنها , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يكون اختلاف عند موت 0000

الحديث أخرجه أبو داود ( 2 / 510 ) ( ح / 4286 ) , ( ح / 4287 ) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (1/292-293) , وأحمد (6/316) , ومن طريقه ابن عساكر (1/293) من طريقين عن قتادة , عن صالح أبي الخليل , عن صاحب له , عن أم سلمة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , به 0

قلت : الحديث ضعيف وفيه الرجل المبهم وهو علة الحديث 0

صالح بن أبي الخليل : صالح بن أبي مريم الضبعي أبو الخليل البصري , ثقة 0
قتادة : هو ابن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري, ثقة ثبت 0
والحديث يرويه عن قتادة همام بن يحيى , وهشام الدستوائي 0
قلت : وهما ثقتان بل من أوثق من روى عن قتادة 0
قال شعبة : كان هشام الدستوائي أحفظ مني عن قتادة 0
وقال العجلي : هشام الدستوائي بصري ثقة , ثبت في الحديث , كان أروى الناس عن ثلاث عن قتادة 0000
وقال أبو زرعة : 0000 وأثبت أصحاب قتادة هشام 0000
وقال علي بن المديني وذكر أصحاب قتادة : كان هشام الدستوائي أرواهم عنه 0
تهذيب الكمال (30/306) , في ترجمة همام بن يحيى 0
وقال عمرو بن علي : الاثبات من أصحاب قتادة , ابن أبي عروبة , وهشام , وشعبة , وهمام 0
وقال الحسين بن الحسن الرازي : قلت ليحيى بن معين همام ؟ فقال : ثقة , صالح وهو في قتادة أحب إلي من حماد بن سلمة وأحسنهم حديثا عن قتادة 0
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة , عن يحيى بن معين : همام في قتادة أحب إلي من أبي عوانة , همام , ثم أبو عوانة , ثم أبان العطار , ثم حماد بن سلمة 0
خالفهم أبو العوام فرواه عن قتادة , عن أبي الخليل , عن عبدالله بن الحارث , بدل الرجل المبهم , عن أم سلمة , عن النبي صلى الله عليه وسلم ,به كما قال أبو داود 0
أخرجه أبو داود (2/510) , (ح/4288) , والحاكم (4/431) 0
قلت : أبو العوام : عمران بن دوار العمي القطان البصري 0
قال عمرو بن علي : كان عبدالرحمن بن مهدي يحدث عنه , وكان يحيى لا يحدث عنه 0000
وقال عباس الدوري ,عن يحيى بن معين : ليس بالقوي 0
وقال في موضع آخر : لم يرو عنه يحيى بن سعيد , وليس هو بشيء 0
وقال النسائي : ضعيف
أقول من كان حاله هكذا كيف تقبل زيادته ( 1) 0000؟
ووهم فيه عبيدالله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي على معمر فرواه عنه , عن قتادة عن مجاهد , عن أم سلمة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , بمثله 0
أخرجه الطبراني في الكبير (23/317) , (ح/ 931) , والاوسط له (2/22) , (ح/1175) 0
قلت : وعبيدالله قال فيه الحافظ : ثقه فقيه ربما وهم 0
أقول : وقد يكون هذا من أوهامه 0 والله أعلم , أو يكون من أوهام شيخ الطبراني حفص بن عمر بن الصباح الراوي عنه قال فيه ابن حبان : ربما أخطأ 0
ثقاته 0
ورواه آخرى عن معمر , عن قتادة , عن مجاهد ,عن الخليل أو أبي الخليل , عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم , عن النبي صلى الله عليه وسلم , بمثله 0
أخرجه أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (5/1083) , (ح/595) 0
يرويه عن هشام الدستوائي :
معاذ بن هشام , وعبدالصمد بن عبدالوارث ,وحرمي , وهم بين ثقة وصدوق0
خالفهم وهب بن جرير فرواه عن هشام بن أبي عبدالله , عن قتادة عن صالح أبي الخليل , عن صاحب له , وربما قال صالح ,عن مجاهد , عن أم سلمة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , فذكر الحديث 0
أخرجه أبو يعلى (12/369-370),(ح/6940)0
قلت : ووهب ثقة 0
أقول : وقد يكون هذا الوهم من الراوي عنه وهو أبو هشام الرافعي محمد بن يزيد بن رفاعة شيخ أبو يعلى , قال فيه الحافظ : ليس بالقوي 0
وأخرجه عبدالرزاق في المصنف (11/371),(ح/20769) عن معمر , عن قتادة يرفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم 0
أقول : وهذا لا شك في ضعفه لإرساله
أم مالك الأزدية
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

فارسة نجد
الرائد7
ضيف الساحة
جعل الله ما قدمتموه من نفع في ميزان حسناتكم
هذه هي النصرة الحقيقية للنبي صلى الله عليه وسلم
فارسة نجد
أشكر جميع أخوتي :

ضيف الساحه .. أم مالك الأزديه ..

أشكركم على مرورك و جزاكم الله خيراً
خالد سيف الدين عاشور
يا فارسة نجد اطلعي على كتاب عبد الجواد ياسين بعنوان السلطة في الإسلام وستزول حيرتك إزاء الكثير من أحاديث الفتن وآخر الزمان.

http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?i...mp;search=books


د. عبد الجواد ياسين في حوار مع الشرق الأوسط
د. عبد الجواد ياسين في حوار مع الشرق الأوسط
حوار: نواف القديمي


كتاب يدعو إلى تجاوز «الآلية السلفية» في التعامل مع النصوص وإصدار الأحكام التي يرى أنها وسعت كثيرا من دائرة المحظور في الشريعة على حساب دائرة المباح.



«ابن حزم» من أبرز من حصروا مصادر التكليف في القرآن والسنة واستطاع في سلاسة عملية باهرة أن يبرهن على «إسلامية العقل»


في سياق الاهتمام الكبير لدوائر الثقافة العربية ـ في العقود الأخيرة ـ بالمشروعات المهتمة بإعادة قراءة التراث وتفكيك البنى التقليدية في التاريخ الإسلامي صدر عن المركز الثقافي العربي كتاب «السلطة في الإسلام» للمستشار عبد الجواد ياسين الذي قام فيه بدراسة معمقة للاتجاهات الفقهية السائدة في التاريخ الإسلامي وأدواتها الاستدلالية ومصادرها التشريعية، وهو ما أثار جدلاً في الدوائر الفقهية التقليدية في العالم العربي لكونه يمارس عملية تجاوز وتفكيك لبناها الثابتة وآلياتها المتشكلة عبر قرون طويلة من التراكم الفقهي والأصولي.



الكتاب الذي كُتب بلغة علمية جريئة دعا بشكل صارم إلى تجاوز الآلية السلفية في التعامل مع النصوص وإصدار الأحكام التي يرى أنها وسَّعت كثيراً من دائرة المحظور في الشريعة على حساب دائرة المباح الواسعة أصلاً، وأنها اعتدت على «النص» لكونها أضافت مصادر «غير نصية» في التشريع والاستدلال كالإجماع والقياس وعمل أهل المدينة وغيرها. وهو ما ضيق مساحة الحرية الإنسانية وأضفى على الإسلام صبغة تاريخية غير قادرة على التواؤم مع التقدم الحضاري والمستحدثات الإنسانية السـائدة في عالم اليوم.



يعد المستشار عبد الجواد ياسين الذي تدرج في سلك النيابة والقضاء في مصر ويعمل اليوم قاضياً في دولة الإمارات العربية المتحدة من المهتمين بشأن الفكر السياسي الإسلامي وباحثاً في قضايا الفلسفة والشريعة والقانون. وقد صدر له في المرحلة التي يطلق عليها هو «المرحلة السلفية» في حياته كتاب «مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة»، وذلك عام 1986، وبعد ذلك بعامين أصدر كتاب «تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر».

عن الفكر السياسي في التاريخ الإسلامي وعن كتابه «السلطة في الإسلام» دار معه هذا الحوار:

ما سبب تواضع ومحدودية التنظير السياسي في التراث الإسلامي، وأن ما نتج منه ـ على محدوديته ـ هو يصب في اتجاه تكريس السائد وشرعنة الاستبداد السياسي وممارسة عملية تديين لأفعال السياسي الأمر الذي جعل تراثنا الإسلامي يعاني ـ كما وصفه الدكتور محمد جابر الأنصاري ـ حالة «أنيميا سياسية»؟



ـ يرجع تواضع التنظير السياسي في التراث الإسلامي في رأيي باختصار إلى أن التيار الذي هيمن على كتابة المنظومة الإسلامية لما صار يعرف بأهل السنة والجماعة هو تيار «أهل الحديث». فهو التيار الأقل اعتدادا بقيمة العقل والحرية من ناحية، والأكثر التصاقاً بالسلطة السياسية الحاكمة من ناحية أخرى، ويعني ذلك أنه التيار الأقل تأهلاً للتنظير بحكم طبيعته اللغوية الحرفية، وهذه مسألة تتعلق بالقدرة. كما أنه التيار الأقل رغبة في التنظير بحكم تبعيته للسلطة، وتلك مسألة تتعلق بالإرادة. ساهم تقاعس الفقه السلفي بشكل واضح في هذا الصدد وذلك بتخليه عن وظيفته التنظيرية التي تؤهله لسبق الواقع وتوجيهه، ولم يكن في معظمه ـ أي الفقه السلفي ـ أكثر من انعكاس لاحق على الواقع الذي كان الحكام المعبرين عنه والشارحين له. ولذلك كما أشرت في كتابي فقد ظل باب النظرية السنية في الخلافة مفتوحاً على الدوام حتى منتصف القرن الرابع على الأقل حيث أبدت النظرية قدراً مذهلاً من المرونة استطاعت من خلاله أن تستوعب داخل إطارها دولة الراشدين الشورية، ودولة الأمويين الوراثية الاستبدادية، ودولة العباسيين الأولى بطابعها الدموي، ودولة العباسيين الثانية بحكوماتها السلطانية التي فرغت «الخلافة» من مضمونها الحقيقي. وفي سبيل ذلك فقد استطاعت النظرية السنية ـ وهي تتلوى مع التاريخ ـ أن تقر مبدأ الاختيار الطوعي من الأمة للحاكم، ثم تقبل من أبي بكر مبدأ «الاستخلاف الفردي»، ومن عمر «الاستخلاف الجماعي»، وتقبل من تجربة عثمان مبدأ «تأبيد الولاية»، وتقبل من الأمويين مبدأ «توريث السلطة» أو «الأسرة المالكة»، وتقر من خلال الواقع العباسي مبدأ «ولاية المتغلب» من السلاطين والوزراء، حتى إذا ما صار الحاكم في نهاية الأمر ضرباً من السلطة الدينية ذات طابع رمزي فاتيكاني، فإن النظرية فيما يبدو لم تبد اعتراضاً».
لقد كان التواضع التنظيري السياسي في تراثنا الإسلامي كمياً وكيفياً معاً.


إذا كان التراث الفلسفي الإسلامي يمثل في بعض جوانبه امتداداً تواصلياً للفلسفة اليونانية. فهل نلمس في «التنظير السياسي» في التراث الإسلامي أي ملامح للتواصل أو التأثر من الإنتاجات السياسية للفلسفة اليونانية؟



ـ ثمة فارق بين التراث السياسي الإسلامي والتراث الفلسفي الإسلامي. ولأن صحت هذه التسمية الأخيرة من حيث علاقة كل منها بالفكر اليوناني، لا يمكن الحديث عن علاقة حقيقية بين الفكر السياسي الإسلامي وبين التراث السياسي اليوناني. لأن الفكر السياسي الإسلامي لم يكن في الحقيقة أكثر من رد فعل تبريري لواقع الأنظمة السياسية الحاكمة بطابعها الاستبدادي المعروف من ناحية، ورد فعل المعارضة بفرقها المختلفة لاسيما الشيعية والخارجية حيال هذا الواقع من ناحية أخرى، وكان الواقع يكتب النظرية سواء على مستوى السنة تحت مسمى «الخلافة»، أو على مستوى الشيعة تحت مسمى «الإمامة».

وقد اكتملت ملامح النظريتين قبل تمام الاتصال الحقيقي بين العقل الإسلامي والفكر اليوناني. فالترجمة الحقيقية للمنطق الأرسطي ـ وهو أول ما تُرجم من أرسطو ـ لم تبدأ إلا من خلال حُنين بن إسحاق وابنه «298هـ»، ولم تنضج قبل الفارابي «339هـ»، أما الفلسفة اليونانية بما تتضمنه من سياسيات أرسطو وأفلاطون وأفكار المدرسة الرواقية فقد تأخر نقلها والتفاعل معها لما بعد التبلور النهائي لنظريتي الخلافة والإمامة.
ومن ثم فليس صحيحاً أن التراث السياسي الإسلامي ـ كما تلخصه النظريتان الرئيسيتان في الحكم ـ هو اتكاء أو امتداد التراث اليوناني حيث لا نكاد نلمح فيها أية سمات يونانية سواء على مستوى الفحوى الموضوعي الذي فرضه الواقع العربي الاستبدادي المحلي، أو على مستوى الصياغة التنظيرية المصبوبة في قوالب أهل الحديث اللغوية.
لقد قدم الفكر الإسلامي «السلفي» بالفعل مساهمة سياسية خاصة به، ولكنها لم تكن مساهمة رائعة على كل حال.
أما على المستوى الفكري والفلسفي فالأمر يختلف، حيث يمكن الحديث عن علاقة حقيقية بين التراث الفكري الإسلامي والتراث الفلسفي اليوناني، بدأت هذه العلاقة بعملية الترجمة الواسعة للتراث اليوناني إلى اللغة العربية فيما يعد بحق أضخم عملية ترجمة في التاريخ قبل العصر الحديث، وبقدر ما ساهمت هذه العملية في إثراء الفكر الإسلامي وتحريكه بقدر ما ساهمت في إحياء التراث اليوناني وإعادة دمجه ثم تقديمه بعد ذلك لأوروبا المتأهبة للخروج من العصور الوسطى.


كتابك يصب في اتجاه التأكيد على أولوية «الإصلاح الديني» في قيام المشروع الحضاري للأمة الإسلامية. ألا تعتقد أن المشكلة تتركز في غياب «الإصلاح السياسي» لكون وجود المجتمع الحر التعددي المتقدم هو كفيل بإشاعة كافة مناحي الإصلاح الأخرى. ألا ترى صدقية المطالبة بـ«أولوية الإصلاح السياسي»؟



ـ الاجتماع البشري مراوغ جداً. ومنذ حديث الفلسفة اليونانية عن أولية الوجود أو الماهية حتى حديث ماركس عن أولية البنية الاقتصادية، تبدو مسألة الأولوية من أصعب المسائل فيما يتعلق بالتغيير الاجتماعي. وفي خصوص المشروع الحضاري للأمة الإسلامية حيث يتداخل «الديني» و«السياسي» و«العقلي» تداخلاً معقداً لأسباب تتعلق بالتاريخ، فلا مفر من تناول إصلاحي مركب وطويل المدى. ولكن دعنا نتفق أولاً على مفهومين غائبين لا بد من وضعهما عنواناً لأي مشروع إصلاحي. الأول: الحرية، والثاني: العقل العلمي.


إذا ما تحدثنا عن مضمون كتابك فمن القضايا التي يتمحور حولها محاولة توسيع دائرة المباح في الشريعة وما تسميه «إعادة الاعتبار للنص»، وذلك عن طريق رفض الإجماع والقياس كمصدري تشريع.. ولكن ألا تسهم آلية القياس في زيادة فاعلية النص وقدرته على المواءمة مع المستحدثات الكونية بدل أن تقتصر الأحكام على حرفية ما أوردته النصوص المحكومة بالمألوف والمستخدم في سياقها الزمني؟ إضافة إلى أن القياس قد يسهم أحياناً في الحد من إطلاقات الحرمة في بعض النصوص؟

ـ القياس بمعناه الاصطلاحي كما قننه الشافعي لا يساهم في توسيع دائرة المباح بل يؤدي إلى تضييقها لأن مصدرية القياس بهذا المعنى تقتضي وجوب إحالة المسكوت عنه ـ أي الواقعة المستحدثة ـ إلى نص من النصوص لإنزال حكمه عليها، أي أنه لا يجوز إعمال الرأي فيها باجتهاد حر بل لا بد من إلصاقها بحكم منصوص، فالاجتهاد لا يجوز إلا من خلال القياس أي من خلال التعليل أو التشبيه بنص، معنى ذلك أنه يحرم إعمال العقل والاجتهاد حول الوقائع المستحدثة من خلال أدوات الاستدلال العقلية الأخرى كالاستقراء والاستنباط والمقارنة والتحليل والتجريب، ويحول دون الإفادة من مناهج البحث العلمي الحديثة في العلوم الإنسانية والطبيعية على السواء. هنا يؤدي القياس إلى ربط المستحدثات إلى الأبد بحرفيات النصوص المحكومة بملابساتها الظرفية في سياقها الزمني.
أما القياس بمعناه العام أي باعتباره آلية ذهنية أو وسيلة عقلية، لا سيما القياس الجامع الأرسطي فيلعب دوراً هاماً في عملية الاستدلال اللازمة للتعامل التشريعي مع النصوص وبوجه خاص في دائرة المباح.


في سياق دعوتك إلى تجاوز مصدري الإجماع والقياس المتأصلة في الرؤية السلفية هل يستوجب ذلك بالضرورة الاستناد إلى نموذج تاريخي كـ«ابن حزم» للاتكاء على منهجيته مع ما يترتب على ذلك من تبني مجمل هذه المنهجية بما تحويه من نقاط ضعف وخلل؟



ـ تحتوي منهجية ابن حزم الأصولية «لا الفقهية» على كثير من نقاط القوة، فقد حصر مصادر التكليف في منبعها الحقيقي الوحيد الممَثل في النص الخالص، ووقف على الدور الكبير الذي تلعبه دائرة المباح في العملية التشريعية، واستطاع في سلاسة عملية باهرة أن يبرهن على «إسلامية العقل» من خلال منهجه الاستدلالي الجامع بين النص والعقل الذي طبقه في دراساته الأصولية والفقهية والكلامية في كتبه الأحكام والمحلي والفصل.
لذلك وكما سبق أن أشرت في كتابي لقد تعمدت ذكر ابن حزم بغرض المقارنة ولأنه يمثل في نظرنا نموذجاً استثنائياً وراقياً لحالة القدرة في العقل المسلم على النفاذ من سلطان السلفية التاريخية التي زاحمت النص في كثير من صلاحياته.

امتدحت طريقة «أهل الرأي» ونموذج «ابن حزم»، وكذلك «المنهج الاعتزالي».. ففي الوقت الذي تتعارض فيه هذه المناهج في أدواتها الاستدلالية ومصادرها التشريعية. في رأيك أيٌ من هذه المناهج تصنفها أنت بأنها الأقرب إلى صحيح الإسلام وإلى المواءمة مع العصر الإنساني الحديث؟



ـ المشترك الجامع بين هذه المناهج الثلاثة هو الحضور الواضح لآلية العقل في مقابل غياب هذه الآلية عن المنظومة السلفية. وإذا كان «أهل الرأي» قد مارسوا آلية العقل بشكل نسبي في ميدان الفقه، فقد مارسها «المعتزلة» في علم الكلام، أما «ابن حزم» فقد مارسها في الأصول والفقه والكلام. ولأن آلية العقل لغة إنسانية مشتركة ممتدة في الزمان، «حيث هي بالتأكيد الأقل تاريخية» فإن المناهج الثلاثة تبدو أكثر تلاؤماً مع لغة العصر الإنساني الحديث من الطرح الذي تقدمه المنظومة السلفية.

ومع ذلك فإن الطرح الذي نقدمه لا يقوم على الاختيار الاضطراري لواحد من هذه المناهج القديمة بل على ضرورة تقديم منهجية جديدة مستمدة من العصر تمارس الحرية والعقل بغير سقف إلا من ثوابت النصوص القطعية التي هي قليلة جداً بطبيعتها.


نقطة البدء في ذلك خطوتان أساسيتان:

أن تنحى كل المصادر اللانصية التي اعتمدتها المنظومة السلفية كالإجماع والقياس وقول الصحابي وعمل أهل المدينة، وهو ما يعني إعادة قراءة ثم كتابة علم «أصول الفقه».
أن تحذف كل الإضافات التي حملت على نص السنة من جراء المنهج الإسنادي في جمع الروايات والأخبار، وهو ما يعني إعادة قراءة ثم كتابة «علم الحديث». ولا يتم ذلك بغير ممارسة الحاسة النقدية بنت العقل والحرية.


تحدثت طويلاً عن المنهج الاعتزالي المعتمد على تقديم العقل في الاستدلال. برأيك هل تتشابه المنهجية الاعتزالية في تعاملها مع قضايا الإلهيات والعقائد مع منظومة الفلسفة الأوروبية المادية المعتمدة على المنهج التجريبي العقلي كما عند ديكارات وكانت وجون لوك وسواهم. وهي المنظومة التي لا تضع اعتباراً لقداسة النص؟



بوجه عام لم يكن المعتزلة فرقة فلسفية تمارس التفلسف خارج دائرة النص الإسلامي، وإنما كانت فرقة «إسلامية» تمارس التعقل داخل هذه الدائرة وبدءاً من منطلقاتها. وظلت كذلك حتى بعد اتصالها بمنطق أرسطو والفلسفة اليونانية بصفة عامة. أما الفلسفة الأوروبية وهي ليست مادية بإطلاقها «فلم تبدأ عصر المنهج التجريبي الاستقرائي الذي مهد لنقلة الحداثة العلمية» إلا على يد فرانسيس بيكون في بداية القرن السابع عشر.



في حديثك عن نقد المتن والتنصيص السياسي مارست عملية النقد على متون عدد من الأحاديث وأثبت ضعفها واختلافها مع معطيات التاريخ أو مع ما تواتر من النصوص. ولكنك لم تزد على ذلك بوضع آلية ومنهج علمي صارم لممارسة نقد المتن، لكون هذه الممارسة في نقد المتن لو مورست دون منهج علمي صارم لربما استخدمت في إلغاء وتجاوز كثير من نصوص السنة دون اعتبارات مقنعة؟


ـ أحسب أن في كتابي ملامح واضحة لمشروع منهج عملي صارم ـ كما تسميه ـ لنقد المتن، ولكن قراءاتها يجب أن تتم في السياق العام للطرح الأصولي ولقضية السنة كما تم عرضها في الكتاب. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة على سبيل المثال فيما يتعلق بأخبار الآحاد إلى فكرة «عدم الضرورة»، وفكرة «التفرقة بين الضروري والنافع» وما أسميته «المنهج النقدي التاريخي الشامل «الذي يقوم على محاكمة الخبر من متنه إلى القرآن والتاريخ والعقل الكلي. ثم فكرة خضوع النص بعد ثبوته وفقاً لهذا المنهج لهيمنة الأحكام القرآنية العامة بطبيعتها والمؤهلة بحكم عموميتها للتواؤم مع حركة التغير عبر الزمن.



ألا تعتقد أن عملية «نقد المتن» كانت مُمارَسة في المنظومة السلفية وقد مارسها مالك وأحمد والبخاري والدارقطني وابن حبان والطحاوي وابن تيمية وكثير سواهم بحيث ردوا عدة أحاديث كحديث «خلق الله التربة يوم السبت» وحديث رضاعة الكبير وحديث «جمع رسول الله من غير سفر ولا مطر» وعدد آخر من الأحاديث التي أثبتوا صحة أسانيدها ولكنهم ردوها لنكارة في المتن؟


ـ نحن لا نذكر وجود بعض حالات لنقد المتون لدى المنظومة السلفية، ولكننا نؤكد أنها لم تكن تمثل القاعدة في منهج علم الحديث التقليدي الذي انصبت فعالية النقد فيه على الجانب الإسنادي. أضف إلى ذلك أن هذه الحالات لم توجه بشكل جاد إلى كتابي البخاري ومسلم. وقد أشرت في كتابي إلى بعض الأحاديث الواردة في البخاري ومسلم لا يمكن التسليم بصحة صدورها متناً عن النبي صلى الله عليه وسلم لتناقضها الصريح إما مع ثوابت القرآن أو مع حقائق التاريخ أو مع قطعيات العقل الكلي ومع ذلك لم ترد ضمن انتقادات العلماء المسلمين السلفيين كالدارقطني على البخاري والعراقي على مسلم. نعم تكلم بعض هؤلاء منتقداً البخاري ومسلم ولكن ذلك كان نادراً، وكان متعلقاً بالإسناد. وما اتصل بالمتن منها كان على حد تعبير ابن حجر «يتعلق بتغير بعض ألفاظ المتن، وهذا أكثره لا يترتب عليه قدح». إن احترامنا لإسهامات الأقدمين لا يمنعنا من ممارسة حقنا في قراءتهم قراءة نقدية.

يرى البعض أنك اتكأت في كتابك كثيراً على كتاب الجابري «بنية العقل العربي» ما دقة هذا الكلام برأيك؟
ـ موضوع كتابي كما أشرتُ في مقدمته هو «تاريخ السلطة» و«سلطة التاريخ» من حيث علاقة كل منهما بالعقل المسلم. وموضوع كتاب الجابري هو «بنية العقل العربي» فثمة منطقة يتقاطع فيها موضوعا الكتابين.



ـ رأيت من المناسب استخدام بعض شواهد الجابري التي تتفق مع مضمون فكرتي أو مناقشة بعض الشواهد التي تختلف معها. كان ذلك في جزء من الفصل الأول وشواهد الجابري تستحق المناقشة على كل حال.


ذكرت أنك ستصدر جزءاً ثانياً من كتابك. حول أي المضامين سيدور؟


ـ أتعشم أن يصدر الجزء الثاني من «السلطة في الإسلام» عن تطور كل من نظريتي الخلافة والإمامة على ضوء التاريخ العام للسلطة والمعارضة قريباً بإذن


حوار: خميس بن راشد العدوي*
كان لظهور كتاب (السلطة في الإسلام) صدى كبير في الأوساط الثقافية، واطروحات الكتاب أذهلت الكثيرين، وصفها الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان بقوله: "إنها محاكمة للمسلمات التاريخية إلى ثوابت النصوص القطعية". وعلى الرغم من أن المستشار عبد الجواد ياسين ليس وجها اعلاميا وقليل الظهور فقد كان من المناسب الاقتراب من هذا المفكر ومحاورته في مفهوم التراثية والاستتباع والتقليد أو ما يسميه السلفية الفقهفكرية.

كان لظهور كتابكم القيم (السلطة في الإسلام) صدى كبير، تراوح بين السلب التام والإيجاب التام، وقبل أن ندخل في الحديث عن مفرداته، نريد أن تعرفوا بأنفسكم للقراء الكرام....
أنا عبد الجواد ياسين من مواليد عام 1954م، في قرية الزرقا إحدى قرى شمال مصر، تخرجت من كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1976م، ومارست العمل في النيابة العامة والقضاء المصري لفترة من الزمن، وأمارس الآن العمل في القضاء بدولة الإمارات العربية المتحدة.
بحكم عوامل الجغرافيا والتاريخ كان من المفروض أن تكون قارئاً للمدرسة السلفية(1) من الداخل، لكنكم وقفتم خارجها ونقدتموها، ما هي الأسباب التي دعتكم إلى ذلك ؟.
من طبيعة العقل أن يتحرك ويمارس التفكير، والمدرسة السلفية ليست بدعاً من العقائد والأفكار التي يمكن يمارس في حقها التفكير… فطوال فترة طويلة كنت أعتبر نفسي بشكل من الأشكال داخل المدرسة السلفية، أقول بشكل من الأشكال لأنه كان هناك دائماً نوع من الخلفية الرافضة للانصياع لمفهوم التبعية العمياء. وهذا سببه الممارسة العقلية التي تأبى بطبيعتها مبدأ الاتباع، أي أن يكون الإنسان تابعاً بلا تفكير.

وبعد فترة من الفترات وأنت تبحث، تصطدم بقضايا لا يمكن العبور عليها بسهولة، وفي فترة معينة كان من اللازم على الإنسان أن يقف وقفة مراجعة، وأنا أعتقد أن هذا تم بشكل طبيعي؛ وناجم عن ممارسة حقي الطبيعي في التفكير كإنسان أولاً ثم كمسلم ثانياً.

وهذا التناول للقضايا والمسائل التي هي من صميم ديني وتمس أساً من أسس الحياة ... فأنا أعتقد أن هذا تم بشكل طبيعي.

هل لوظيفتكم القضائية أثر في مناقشتكم للدائرة السلفية، لكونكم تتعاملون مع نصوص أقرب ما تكون إلى النصوص الشرعية، مع الاختلاف في أن هذه نصوص قضائية، وتلك نصوص شرعية. هل للقضاء أثر في تغيير وجهة نظركم للدائرة من الداخل إلى الخارج؟.
لا شك أن أية صفة للإنسان تؤثر فيه سواء كان قاضياً أو غير قاض، وهناك عوامل كثيرة تؤثر في تكوين الإنسان الفكري منها: قراءاته، ومنها ثقافته ، ومنها وظيفته، ومنها بيئته، ومنها العوامل الوراثية الأخرى، ولأن القاضي يمارس تعاملاً متواصلاً مع النص، وفي هذا التعامل من الواجب عليه أن يمارس نوعاً من منطقية في التعامل، فلا شك أن يكون له أثر فيما تسأل عنه.

كتابكم "السلطة في الإسلام" كان نقلة نوعيه في نظرنا للفكر الإسلامي المعاصر، وصفها بعضهم بقوله: (إنها محاكمة للمسلمات التاريخية إلى ثوابت النصوص القطعية)، لم كانت مثل هذه الاطروحات الراقية مجرد صرخات في واد ولا مجيب، ولم لا تنتشل من غياهب النسيان أو التغييب بالأصح، ولم لا تتحول إلى تيار قوي يفرض وجوده في الساحة؟.
أولاً: أشكر التقريض اللطيف الكريم للكتاب. وأعتقد أن صيغة الاستفهام الإنكارية التي سألت بها ... أنا أتفق معك بشأنها، نحن نتعشم أن هذه الاطروحات لا تكون مجرد صرخات، وأن تنتشل من غياهب النسيان –على حد تعبيرك-، وأن تتحول إلى تيار قوي يفرض وجوده في الساحة.. هذا أمر مطلوب. لكن هذا لكي يتم لا بد أن تتغير الظروف الموضوعية أولاً ..

ماذا تقصد بتغير الظروف الموضوعية؟
أقصد به التغير الناجم عن حركة التاريخ في الحياة، يبدو أن هناك أطوارا تاريخية تمر بها الشعوب، ويبدو أن على هذه الأمة أن تتجاوز الطور التاريخي المتأخر نسبياً الذي تمر به في المرحلة الحرجة… ومعروف أن هذا الطور التاريخي مورث بحكم الميراث السلفي العاتي الشديد الوطأة، الذي ترزح هذه الأمة تحته من قديم.

وهذا الظرف الموضوعي، الذي هو تغير التكويني الذهني العقلي النفسي الثقافي المسلم شيء أساسي وأولي، وهذا يتم بعناصر بعضها ظاهر ومحدد، وبعضها خفي غير مرئي، تفعل فيه يد التاريخ فعلتها مع الأمور، وتتم بشكل قد لا يكون محسوساً في النهاية.

وعلى كل من يعلم الحق أن يصدع به، وعلى كل من يرى رؤية في الفكر تصب في تيار إظهار الحق وتسليط الضوء على النواقص التي تنقص العقل المسلم، وبالذات ما ألححت عليه في هذا الكتاب من غياب المفردتين التي أسميتهما هناك رائعتين وهما (العقل والحرية) وما يترتب على ذلك من مزيد من البروز –إن كان ثمة بروز- على إطلاق الحاسة النقدية في العقل المسلم، التي تمكن الإنسان من أن يمارس جرأة النظر فيما يظن أنه ثوابت، ويطرح بشأنها كمسلم تحت سقف النص أطروحته العقلية.

لو كنت معكم أكثر جرأة، وقلت لك: بأنني سوف أعمل على تجميع الأصوات المجددة في الدائرة "الفقهفكرية" في العالم الإسلامي هل ستكون معي في الخط؟
طبعاً.. أنا مع أي أحد يقوم بهذا العمل، وأشكرك على قيامك بهذا وأدعو لك.. والمسألة ليست سهلة ودونها صعاب وصعاب، وشمر ساعديك لهذا.

طرحتم في هذا الكتاب القيم رؤية أصولية حديثية تدعو إلى مراجعة الاطروحات السلفية، هل هناك من يقول: إنكم تهدمون بذلك صرحاً إسلامياً شامخاً وما تعليقكم على مثل هذه المقولات؟
كما اتفقنا أن السلفية كنمط تفكير تمارس سلطاناً عاتياً على العقل المسلم، ونستطيع أن نقول إنها هي ذاتها العقل المسلم، والعقل المسلم الراهن هو مجرد امتداد طولي زمني للعقل السلفي الأول.

وهذا يفسر بشكل بسيط جداً الهبّة التي يهبّها هذا العقل الراهن في وجه أي نوع من أنواع الممارسة النقدية على العقل السلفي، لأنه في حقيقة الأمر وهو يدافع عن العقل السلفي الأول يدافع عن نفسه.

ومن الصعب جداً أن تقتلع الأفكار التي تم توارثها عبر هذه الفترة الزمنية الطويلة من أعماق الناس... أياً كانت هذه الأفكار، فما بالك إذا كانت هذه الأفكار تتعلق بفرضية السلفية ذاتها. لأن العقل السلفي الأول كان سلفه سلفياً، وكانوا على وعي بهذه القضية، وورث العقل المسلم فيما ورث مفهوم السلفية، أي مفهوم الاتباع الأعمى، وهذه قضية خطيرة جداً في العقل المسلم، وقبل الوصول إلى حل لإشكالية مفهوم الاتباع المطلق الأعمى في العقل المسلم، ستبقى الأمور في خلل كبير، ويكون من الصعب جداً القفز إلى المنطلق الصحيح الذي ينبغي أن يقدم من خلاله الإسلام للناس في القرن الحادي والعشرين.

طبعاً... نحن نسلم بوجود هذه الأصوات التي تعترض على هذه الاطروحات، ونحن نلاحظ هذه الحيثية التي ذكرتموها من عمق السلفية في العقل المسلم. لكن أليس من سبيل للتحاور العلمي الهادئ الهادف مع مثل هؤلاء؟!
السلفية بالمفهوم الذي تكلمنا عنه ليست مجرد رأي، هي نزوع سيكولوجي، وهذا النزوع من الصعب التعامل معه بمنطلقات الفكر المحض، الرأي والرأي الآخر و الحجة بالحجة، هذا أمر يختلف عند التعامل مع إنسان يعاني من مرض نفسي.. أو من خلل نفسي.. أو من إشكالية نفسية لا سبيل إلى إقناعه بالحجة… القضية مختلفة.

أنا أزعم أن السلفية نزوع سيكولوجي بالمعنى الموجود في علم النفس… الناس تمارس هذه السلفية أحياناً بوعي وأحياناً بغير وعي. أصبح تكويناً راسخاً في التكوينة الإجمالية للإنسان بما فيها الشق النفسي، فمسألة الحوار وعدم الحوار يخضع فيها الإنسان الراشد لحجية البرهان، فلما تكون المسائل بهذا الشكل تكون سهلة لا إشكال فيها، لكن لما يكون الإنسان قد قرر سلفاً بحكم نزوعه الوجداني أن لا يسمع.. تكون المسألة صعبة.

ومع ذلك نحن لا ننفي أهمية الحوار مع أي أحد من الناس وفي أي وقت من الأوقات، ونحن نعيب على العقل السلفي أنه ينفر من الحوار ويتوجس منه خيفة ، وأنا لا أنفر من الحوار، بل أحب الحوار وأحب الخلاف، لأني أعلم أن الاتفاق الكامل مستحيل، ولا يوجد نوع من الاتفاق الكامل ولن يحدث (ولا يزالون مختلفين).

والاختلاف شيء من طبيعة البشر وتكوينهم، وهذا من خلق الله عز وجل، كل القضية أن تنظم هذا الاختلاف، وأن تنزل به إلى أدنى مستويات الضرر التي يمكن أن تترتب عليه، ثم تحصل منه على أعلى مستويات الفائدة التي يمكن أن تؤخذ منه؛ لأن الاختلاف له فوائد بحكم أنك تستطيع أن تأخذ من كل شيئاً مختلفاً عما يعطيه كل فرد من أفراد الكيان. ومن جيشان هذا الاختلاف بين الناس يمكن أن ينتج ما ينفع الناس؛ ويؤدي إلى المصالحة بالمعنى الحقيقي…

فأهلاً وسهلاً بالحوار.

لو خرجنا نوعاً ما عن الدائرة الإسلامية، فمن خلال اطلاعكم على عقلية غير العقلية الإسلامية كالعقلية الغربية مثلاً، هل ما زالت العقلية الغربية تمارس هذه السلفية أم أنها تحررت منها؟
عند الحديث عن الغرب بالمعنى العام؛ يمكن أن تقول إنه بانتهاء العصور الوسطى والدخول في عصور النهضة الأوروبية، أعلنت أوروبا قطيعة نهائية مع السلفية، لا سيما السلفية الدينية، لأن هناك سلفيات أخرى في الفكر الغربي، مارست أوروبا نوعاً من النكوص الارتدادي للماضي.

ومع بزوغ عصر النهضة توجهت أوروبا –في نوع من الحنين- إلى استدعاء الثقافة اليونانية القديمة، وادعت الانتساب إليها، وزعمت أنها امتداد للفلسفة اليونانية، والفلسفة الأوروبية المعاصرة تمارس الآن نوعاً جديداً من التمرد على السلفية اليونانية.

وبالمعنى الدين ... أنت تعلم أن الكنيسة مارست على الإنسان الأوروبي طوال العصور الوسطى سياسة قبضة حديدية شديدة، فرضت عليه أن يقبع في دائرة بعيدة عن ممارسة العقل وعن ممارسة الحرية…. الكنيسة الكاثوليكية التي حاكمت (جاليليو) عندما تكلم عن الأرض بإنها ليست هي مركز الكون، وقال: إن مركز الكون هو الشمس ، مفجراً بذلك ثورة في العلوم الطبيعية، فأمرت الكنيسة بمعاقبته عقاباً شديداً…كاد يقتل فيه.

وانتهى الأمر بحبسه بعد اعتذاره الشديد عن النطق بهذه المقولة الهائلة الشديدة… والذي حصل عندما أخذ (جاليليو) للحبس، وبعد أن كتب إقرارا يعتذر فيه، فعندما دخل إلى الحبس نظر إليهم، وقال: ومع ذلك فإنها تدور؛ على الأرض … أي أنه غير قادر أن يقنع نفسه أن الأرض لا تدور لمجرد أن بعض المفاهيم السلفية لقراءة التوراة والإنجيل ترى أن الأرض لا تدور... فالذي حصل في خلال السنوات القليلة الماضية أن أصدرت الكنيسة الكاثوليكية ذاتها اعتذاراً رسمياً (لجاليليو) وتبرأت من المفعول السلفي الأول الذي كان… والمقصد أنه حتى الكنيسة الكاثوليكية التي تمثل عمق أوروبا المسيحي الآن تمارس نوعاً من الرجوع عن السلفية... وتمارسها كذلك في أشياء كثيرة...

- في تفاصيل الفقه الكنسي.

- وتنصاع يوما بعد يوم لضغوط المجتمع المادي؛ الشديد المادية؛ الشديد الاغترار بقدرة العقل وفتنة التكنولوجيا التي ظهرت… لدرجة أن رجال الكهنوت أصبحوا من النساء، ويسمح لهم بأشياء لم يسمح لهم بها في الماضي، إلى درجة أن البعض يتحدث عن السماح لهم بممارسة الشذوذ الجنسي، وأشياء من هذا القبيل.

- فأوروبا تعيش؛ ليس مجرد ردة عن السلفية، بل تعيش انفجاراً ثورياً مضاداً للسلفية، هذه قضية تجاوزتها العقلية الغربية من قديم، لأن كلامنا هذا لا يمنع من وجود جيوب صغيرة أو شراذم داخل المجتمع الغربي تتكلم بشكل سلفي، أعني بذلك السلفية الدينية أو السلفية العقلية المتمثلة في الفلسفة اليونانية، وقضية الفلسفة مشوار طويل جدا مختلف؛ فيه محطات طويلة؛ لا نريد أن نثقل على كاهل القراء به.

هل تتصورون أنه سيأتي اليوم الذي سوف تعتذر السلفية للعقل المسلم الذي ينظر إلى النص مجرداً عن الإضافات التي أضيفت إليه؟
نعم أتصور... ولكنها حينئذ لن تكون سلفية، لا بد... لا بد أن يحدث ذلك بحكم حركة التاريخ الطبيعة.

ونحن متفائلون معكم.
الحمد لله.

هل ترون في المنهج الحديثي السلفي -على ما استقر عليه- إلزاماً لبقية المدارس الإسلامية، وإلا ما حدود الاستفادة من هذا المنهج؟
تقصد منهج علم الحديث؟!!.

نعم؛ على ما استقر عند من سموا بأهل الحديث.
ماذا تقصد بالإلزام؟

سآتيك بمثال على ذلك: عند نقاش بقية المدارس مع المدرسة الحديثية في مسألة نقد الحديث، يطلب أهل المدرسة الحديثية أن يكون النقد مبنياً على ما قررته المدرسة الحديثية، فيلزمونا أن نتكلم وننقد وفق قواعدهم!، فهذا هو الإلزام!!. فهل المنهج الحديثي على ما استقر عليه ملزم لبقية المدارس الإسلامية؟!
منهج أهل الحديث يلزم أهله، والقائلون به يرون أنه الحق، والقائلون بغيره يرون عكس ذلك، هؤلاء يرون أنه ملزم، وهؤلاء يرون أنه غير ملزم، إذن فهذه وجهة نظر هؤلاء، وتلك هي وجهة نظر أولئك.

وأما وجهة نظري فهي أن لا شيء وضعياً يلزم إلا بدليل الحق، وقد لاحظت أن هذا النمط من علم الحديث، الذي أسميناه بعلم الحديث الكلاسيكي؛ وجهت إليه بعض الانتقادات الواضحة في هذا الكتاب، وهذا وضع طبيعي أنك لا تلزم أحداً بما تنتقده… علم الحديث التقليدي الكلاسيكي؛ علم له وعليه، وأنا أرى أنه بما انتهى إليه من قواعد لم يستطع أن يقوم بالمهمة التي نشأ أساساً من أجلها وهي تقديم النص الحديثي الصحيح الواضح.

أشكرك يا دكتور، لكن أعتبر -وأنت تعتبر هذا– على أن النظر في الحديث هو بيت القصيد، هل يمكن أن تتفق أو تشرع المدارس الإسلامية في تأسيس وجهة نظر حديثية منهجية جديدة يحاكمون إليها الروايات؟.
أنا أشك في هذا، وأرى أنه صعب، على الرغم من رؤيتي أن الأرضية في علم الحديث بالذات ليست بعيدة بين المدارس… الأرضية العامة الإجمالية تكاد تكون مشتركة بين معظم المدارس، والخلافات تكمن أساساً في سلسلة الرجال، وامتداداتها خارج دائرة الرجال قليلة التأثير في رأيي، وبالتالي فإن علم الحديث باعتباره علماً توثيقياً تاريخياً قابل لأن يمنهج، وقابل لأن يستند إلى قواعد المنطق والعقل؛ وهذا أمر مشترك… من الناحية النظرية يسهّل من حدوث ما تفضلتم بالسؤال عنه، ولكن شكوكي الأولى التي أبديتها ناجمة عن أسباب غير نظرية، ناجمة عن أسباب محض عملية في الواقع الذي نراه أمامنا.

بمعنى أن نستخدم العبارة "جائز عقلاً ممتنع واقعاً".
بل سهل عقلاً.. سهل جداً. إنما سهام النقد يجب أن توجه لهذا العلم كما هو... بحالته الراهنة، أساساً من حيث إنه إسنادي بحت، قائم على السند وليس قائماً على المتن، ولا ينظر إلى نقد الحديث من متنه بأساسه، ونحن لا نتوجس من استعمال مفهوم النقد، وندعو إلى نوع من التوسع في ممارسة النقد... هذا مطلوب.

هناك قضايا جدلية على مدى تاريخ الدائرة الفقهفكرية الإسلامية، مثلاً لو تحدثونا الآن عن الإجماع والقياس، فهل لكم أن تسلطوا الضوء على وجهة نظركم التي طرحتموها في الكتاب، وهل هي نظرية جديدة، وإذا كان كذلك فما الجديد فيها؟
الإشكالية الكبرى في الإجماع والقياس كليهما أنهما يشكلان مرجعية مصدرية مفارقة للنص، ونحن لا نعادي مفردة الإجماع في ذاتها ولا مفردة القياس في ذاتها. ولكن نرفض ما رتبه عليهما العقل المسلم السلفي من إلزامية على أجيال المسلمين إلى آخر الزمان.

مفهوم الإجماع في العقل السلفي هو: إذا اجتمع الناس –وهذا هو المفهوم الأول أو الميلاد الأول لمفهوم الإجماع، أنه اجتماع الناس بإطلاق- وكلمة الناس تشير إلى المسلمين، أي إذا اجتمع المسلمون على أمر معين... أن هذا الأمر يمثل حكماً شرعياً، ومعنى أنه حكم شرعي أنه مؤبد على أجيال الأمة، وبالتالي يأثم من خالفه من الأمة ولو بعد ألف عام، ويظل الحكم الذي استنبطه بشر – على فرض إمكانية إجماع الناس عليه- يظل هذا الحكم ملزماً للناس لا يمكن أن يخالفوه بعد ذلك، فبالتالي يمثل وصاية أبدية متواصلة على العقل المسلم تحرمه من أن يمارس حقه في الاجتهاد كإنسان يعيش العصر ويمارس حقه في حرية النظر تحت سقف الضوابط الشرعية العلياء ومع حركة دفء الإيمان.

هذا الاعتراض على مفهوم الإجماع؛ الذي لنا عليه ملاحظات مبدئية منهجية، وهي أنه مستحيل عملاً بحكم جبلة الخلق الرباني التي خلقت بأصل الاختلاف في الجغرافيا والتاريخ وفي البيئة والثقافة والمولد واللون والتفكير.. في كل شيء؛ الاختلاف بين البشر قائم.

أضف إلى هذا أن مفهوم الإجماع قد تطور في العقل السلفي المسلم، بعد أن كان إجماع الناس إلى أن صار إجماع الفقهاء، وهذا يسلمنا إلى وضعية بشرية جديدة معيبة ، لأنك ستكون بحاجة إلى من يعرف لك هذه الهيئة التي سميت بالفقهاء، من الذي يختارها؟!.. من الذي يجمّع بينها؟!… ثم تفترض أن إجماع هؤلاء حدث في التاريخ… وهذا أمر أرى أنه لم يحدث على الإطلاق في تاريخ المسلمين.

الإجماع الذي تكلم عنه البعض ومنهم ابن حزم مثلاً، هو إجماع الصحابة –هذا كلام ابن حزم- على ما وافق الكتاب والسنة، وابن حزم قال على استحياء: إن هذا النوع من الإجماع هو النوع الوحيد الذي يعترف به. ثم يضيف أنه رغم اعترافه به، إلا أن هذا لا يضيف جديداً، لأنه إذا كان إجماع على ما وافق الكتاب والسنة فإن المرجعية إلى الكتاب والسنة وليست لإجماع بشري.

القضية باختصار؛ إنه سؤال منهجي بسيط جداً وهو: من يشرع: الخالق أم المخلوق؟! .

إذا كان الخالق هو المشرع الوحيد في الإسلام، فالمخلوق لا يشرع ولا يغير من هذه الحقيقة أن يزيد عدد المخلوقين الذين يشرعون، لأن زيادة عدد المخلوقين لا يغير من طبيعتهم، لا يحولهم إلى خالقين..

المسألة واضحة وبسيطة جداً فيما يتعلق بالإجماع.

وما يتعلق بالقياس؟
إشكاليته أيضاً في التحليل الأخير؛ تؤدي إلى مرجعية بشرية إضافية قائمة على الظنية، لأن الحكم الشرعي ينبغي أن يكون يقينياً ((إن الظن لا يغني من الحق شيئاً))

طبعاً؛ هذا في دائرة الإلزام وليس في دائرة الرأي، أو كما يعبر عنها بعض الفقهاء في مسائل الدين والقطع وليس في مسائل الرأي والظن...
ربما تكلمنا من قبل يا أخ خميس؛ أني لا أحرم ممارسة القياس كوسيلة عقلية ذهنية، الإنسان يقيس بحكم الطبيعة الذهنية، القضية غير التي نتكلم فيها. عندما نرفض القياس نرفضه مرجعية مذهبية تنشئ حكماً في الدين… إذا أدت إلى إنشاء حكم في الدين… إذن بشر شرع وقاس شيئاً على شيء من غير يقين في الاشتراك.

أما خارج دائرة الإلزام في الدين، فأنت كبشر إذا كنت مطالباً بالاجتهاد فقد يكون من حقك، بل ستمارس -شئت أم أبيت- أنماطاً شتى من القياس الذهني العقلي.. لن يصادر أحد حقك في ممارستها بعد ذلك… فوضع طبيعي وأنت تشرع داخل دائرة المباح، من الوارد جداً أن تمارس حق القياس الذهني.

وكان الفقه القديم يرادف بين القياس والرأي، وكانوا يعتبرون مفردة القياس تعبر عن محض ممارسة الرأي، لأن القياس -في الحقيقة- هو نوع من الممارسة الذهنية العقلية الواضحة الصريحة، فإشكالية القياس أنه مبني على الاستناد إلى العلة، وكما قلنا وكما عرفنا القياس؛ بأنه إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه لاشتراكهما في العلة، هذا يقتضي أن تثبت العلة يقينا في المنصوص عليه ثم تثبت العلة في المسكوت عنه ثم يثبت أن هذه هي العلة؛ أساساً... أن نتيقن أن هذه هي العلة … فإذا كانت العلة بذاتها منصوصة فالحكم حكم النص، لأن تعدية العلة حينئذ سيكون أمراً مفهوماً بوسائل معهودة في العقل وفي النص الشرعي، ولن تكون حينئذ قد قست إذا انتقلت إلى الحكم، لأن العلة منصوصة، والعلة منصوصة بمعنى تعدية التعليل… فالنص هو الذي حكم.

فإذا لم تكن العلة منصوصة فقد حكمت بالظن، وتكون معيباً لو ألزمت الناس بذلك ظناً، وقلت: إن هذا هو حكم الدين وأسندته للرحمن… لكن لو قلت إن هذا شيء اجتهادي.. أنا أرى هذا.. هذا أمر جيد… وإذا كنت سلطة تملك حق التشريع الشرعي وانتهيت إلى هذا الرأي ووصلت إلى أن هذا هو الأمر الذي فيه الصالح التشريعي، فإن الإلزامية حينئذ لن تكون ناشئة عن القياس كمصدرية مستقلة، وإنما ستكون ناشئة عن مصدرية وجوب طاعة أولي الأمر في المسلمين أياً كان اسمه: السلطة.. الحكومة.. الحاكم.. إلخ.

ستكون الإلزامية ناجمة عن وجوب طاعته، وليس عن مرجعية القياس الأصلية.

الفارق بين الاثنين: أن مرجعية القياس الأصلية مؤبدة، وأما هذه فحكم محكوم بزمانه وبظروفه يمكن أن يتغير، ويمكن للحاكم يغيره، لأن القوانين واللوائح تتغير من وقت لآخر، ولكن بالنسبة للقياس كحكم شرعي يضاف إلى الإلزاميات المحنطة التي تكبس على أنفاس العقل المسلم لفترة طويلة جداً مع جبال المحظورات والملزمات التي ما أنزل الله بها من سلطان في كثير منها، وتعامل معاملة النص.

إذا نظرنا إلى العلة من حيث إنشاء الحكم، وهذا ما مارسته المدرسة السلفية، ولكن هذه المدرسة عطلت الشق الآخر، أو عطلت ما كانت تقوم به المدرسة العمرية (نسبة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه) وهي فهم العلة لإعمال النص أو ترك إعمال النص، فما رأيكم في هذا، هل فعلاً أن المدرسة الأثرية أغفلت هذا الأمر؟!، وهل أغفلته عن عمد؟!
حجر الأساس في المنظومة السلفية هو الاتباع… التعامل مع النص من خلال علته ضرب من ضروب ممارسة التعقل في النص، وممارسة التعقل في النص شيء محرم في العقل السلفي الأول، العقل السلفي الأول -كما قلنا- كان ينفر نفوراً شبه فطري من ممارسة العقل، وقد مر بكم ما مارسته المنظومة السلفية مع عقلية مثل عقلية أبي حنيفة الذي مارس الرأي والتعقل في النص، وهذا التعقل في النص شيء خطير جداً.

ماذا تقصد بشيء خطير: بالنسبة إلى الدين أم بالنسبة إلى المدرسة السلفية؟
عند المنظومة السلفية، وإغفاله هو الخطير عندي.

فأبو حنيفة متهم عند المدرسة السلفية بممارسة التعقل في النص، وهذه جريمة، ليس فقط بالممارسة العملية بل باللفظ …عبارات وتصريحات كثيرة لرجال المنظومة السلفية الأوائل تذم الرأي صراحة وعلناً…(والحديث الضعيف أحب إلينا من رأي أبي حنيفة) وكأن الحديث الضعيف شيء.

والحديث الضعيف معناه لغو... لما تجئ مثلاً رواية كذاب ويجئ أحد ويأخذ هذا الكلام غير المقبول، ويفضله على رأي مستند إلى نص صحيح، لأن الرأي عند أبي حنيفة ليس محض تفلسف في المطلق، فمفاهيمه الأصولية المعروفة ليست مجرد كلام.

انظر مثلاً إلى موقف أبي حنيفة داخل الدائرة السلفية بل الأصولية، ولم يكن أبو حنيفة متكلماً -مثلاً- كالمعتزلة، وموقفهم من المعتزلة كان موقفاً فظيعاً آخر، لأن المعتزلة مارسوا التعقل في النص بجرأة أكبر، بجرأة أكبر من جرأة أبي حنيفة، ومارسوا التعقل في النص تحت عناوين أخرى غير عناوين السلفية العقلية… السلفية العقلية تريد لمن يتكلم أن لا يتكلم إلا تحت عناوين معينة، باستخدام مصطلحات معينة، باستخدام مفردات معينة، باستخدام قضايا معينة… تكلم في الفقه وفي الفروع وتقول: قال شيوخنا. وانتهت القضية.....

ولما يجئ أحد ويخرج عن هذا السرب ويتكلم في قضايا أخرى، أو حتى يتكلم في هذه القضايا تحت عناوين أخرى، كأنه أتى بدين جديد.. وهذا نوع من التماهي أو المرادفة بين الدين وبين أنفسهم، وهذه آفة شديدة وخطيرة جداً في العقل المسلم الأول.

أما عن موقفهم من المعتزلة... كان على درجة أشد وأقسى من موقفهم من أبي حنيفة، فهم بالكاد -في إجمالهم- اعتمدوا أبا حنيفة داخل دائرة السنة والجماعة بشكل أو بآخر، ومع ذلك قبل بدرجة مقبول، مع لمزات معينة وصلت إلى حد تكفيره، ومع ذلك قبل على مضض داخل حدود دائرة ما سمي بعد ذلك بالسنة والجماعة.

الموقف من المعتزلة كان شديداً جداً، تكاد كتب الفرق مثل البغدادي والشهرستاني تكفرهم صراحة....تعال إلى موقف آخر أعجب من هؤلاء وهؤلاء… موقفهم مع من مارس التفلسف في الإسلام، كالكندي والفارابي وابن رشد.

فابن رشد مثلاً كان فيلسوفاً صريحاً رغم كتاباته في الفقه وكتاباته في لم الشمل بين الشريعة والفلسفة…ابن رشد كُفِرَ تكفيراً واضحاً علنياً صريحاً، فكان الموقف السلفي النهائي من العقل هو موقف قائم من العقل في ذاته، وتوجس من ممارسة التعقل، مما يشي بنوع من عدم الثقة بالنفس في رأيي لا تليق بمن يمثل هذا الدين العظيم الذي هو دين الله {وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال}.

من أراد أن يفهم هذا الدين بهذا الشكل ينبغي أن يقدمه للناس دون أن يخشى من العقل).

انتهى الحوار الذي نشرته مجلة المعالم ؛ والسلام عليكم ورحمة الله
خالد سيف الدين عاشور
وعلى ذكر صدام وستشهادك بالبيت الذي يطلب صدامات كثيرة فأرجو الاطلاع -اذا أحببت- على
1- الآداب السلطانية/ عز الدين العلام
2-الاسلام والاستبداد السياسي/ محمد الغزالي

وإذا أحببت فشاهدي فيلم Stalin

وقد يروقك كتاب "ملامح انقلاب الاسلامي في حياة عمر بن عبدالعزيز/ عماد الدين خليل
وطبائع الاستبداد للكواكبي
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.