صنوف من هؤلاء الشباب والشابات تسير زرافات ووحداناً، تذهب وتجيء على غير هدى، ودون أي مقصد مع التلفظ بالألفاظ التي تجرح الحياء.
اضطررت في الأيام الأولى من أيام الصيف أن أذهب إلى أحد مراكز جدة الشهيرة في الساعة العاشرة ليلاً لإرجاع سلعة اشترط صاحبها إرجاعها في نفس اليوم. إذ من عادتي أن أتسوق نهاراً إلى صلاة العشاء فقط، لأن جدة في الصيف تصبح جدة غير، حيث تزدحم بالسيّاح من كل حدب وصوب.
عندما دخلت ذلك المركز في نفس اليوم عصراً كان الوضع طبيعياً، فهناك عدد من العوائل جاءت للتسوق، أو للغداء أو لجلب المتعة لاطفالها عن طريق الألعاب والملاهي المكيفة.
ولكن عندما حضرت ليلاً خيل إلي أنني اخطأت طريقي إلى المركز، أو أنني سافرت عبر الزمن إلى مدينة أخرى غير مدينتي .. كان الوضع عجيباً .. فتيات في عمر الورود، حاسرات الوجه، والتسريحات على آخر موضة، والماكياج على الوجوه يؤكد لك بأنك في مسابقة ما، أما الحجاب وما أدراك ما الحجاب، فإن بإمكانك أن تطلق عليه حجاب العولمة فالعباءات مزركشة وملونة تغري الأعمى، وغطاء الرأس يزيد الوجه زينة بما يظهره من خصلات الشعر الملون المتسدل على الجبين أو من مؤخرة الرأس.
أما بعض الشباب من الذكور فإنك مهما دققت النظر فلن تستطيع التمييز بينهم وبين الشابات، فالشعر طويل مسترسل أو مقصوص على شكل مدرج، أو ممسوك ذيل حصان أو مرفوع على هيئة عرف الديك. والمضحك في الأمر أن منه خصلاً ملونة بألوان الطيف.
والذقون الهندسية على شكل دائرة ومربع ومثلث منفرج الزاوية، أو حاد الزاوية.
والأعجب من ذلك كله أولئك الشباب الذين يلبسون “البنطال” الواسع من الخصر فتظهر معظم ملابسهم الداخلية وهو ما يطلق عليه (البوكسر).
صنوف من هؤلاء الشباب والشابات تسير زرافات ووحداناً، تذهب وتجيء على غير هدى، ودون اي مقصد مع التلفظ بألفاظ تجرح الحياء.
حينما عدت الى الدار أخذت أقصص رؤياي البصرية بكل دهشة واستنكار، ولكن كل المستمعين لم يتعجبوا مثل تعجبي، إذ إن ما شاهدته أصبح فيما يبدو طبيعياً وأمراً مسلما به، بل ذكروا لي أن ما يحدث في بعض الكبائن والمقاهي أعظم من ذلك.
هنا أخذت أتأمل الموقف وأفكر في أسباب وصولنا إلى هذا المستوى من التقليد الأعمى، والبعد عن الهوية الإسلامية.
هل السبب هو انتشار الفضائيات وما فيها من برامج فاضحة، ومسلسلات ماجنة، وأغانٍ خليعة؟ وهل من الصواب إلقاء التبعية على هذه الفضائيات وحدها، حيث نظل نرمي باستمرار مسؤولية تفشي هذا الفساد التربوي عليها، أليس في صنيعنا هذا هروب من وخز الضمير؟
نعم هي وسيلة كبرى من وسائل الإفساد، ولكن أين دور الآباء والأمهات، أين دور التربية السليمة وتضامن المؤسسات الاجتماعية في تنشئة الفرد تنشئة سليمة؟
المصدر/ جريدة المدينة السعودية